" />
نور الدين - دولة آل عثمان – نورالدين والجهاد في الشام #26

دولة آل عثمان – نورالدين والجهاد في الشام #26

1 min


153
1k share, 153 points
هذا المقال هو جزء 23 من 23 سلسلة دولة آل عثمان

دولة آل عثمان – نورالدين والجهاد في الشام

دول الاتراك الإسلامية
الدولة الزنكية

نورالدين والجهاد في الشام :
تركزت جهود نور الدين على نشر فكر الجهاد في الشام بشكل كبير وأصبح هو بطل الإسلام بلا منازع في ذلك الوقت بعد رحيل أبيه وأخيه سيف الدين وانضواء المقاومة تحت لواءه خاصة وأنه الأقرب إلى خطوط المواجهة فسخر كل جهود الدولة لخدمة هذا الهدف ألا وهو الجهاد من علوم وصناعة وخطاب ديني وكل شيء و دأب نورالدين محمود على بناء المجتمع المقاوم وبث فكر المقاومة والجهاد و هو ما اختلف عن أسلوب أبيه رحمه الله الذي إهتم أكثر ببناء جبهة مقاومة وموحدة في مواجهة الاحتلال الصليبي بالإضافة لبناء دولة يحكمها أبناءه تحمل عبء المقاومة ولإختلاف الظروف المحيطة بالرجلين إختلف الأسلوب مابينهما فعصر عماد الدين إحتاج للقوة فرغم محاولات كربوغا وجكرمش ومودود وغيرهم إلا ان عماد الدين تعلم من أخطاء سابقيه وإستخدم أسلوب القوة التي كانت تصل إلى الدموية في بعض الأحيان فكان همه الأول كسر الحاجز النفسي وبث الرعب وهو ماذكرناه من قبل بأنه كان يأمر جنده بان يثخنوا في القتل خلال المعركة والقتل بقصد الإبادة لتوصيل رسالة نفسية للصليبيين والخونة أنهم أمام خصم لايبقي ولا يذر بالإضافة إلى أنه لم يكن ملتزما دينيا بالشكل الذي كان عليه ولده والذي كان له أثر في أسلوب إدارته للدولة ففي عصر نورالدين كانت القوة العسكرية قد إشتد عودها فبعد بناء الجسم حان وقت بناء العقل .

طبيعة شخصية نورالدين :
ورث نورالدين الشخصية القيادية والمواهب الإدارية والعسكرية لدى أبيه ملتزمة دينيا درس وقرأ كثيرا في الشريعة الإسلامية وتفقه فأكسبته نوعا من التصوف و الزهد ولكن تصوفا معتدلا الذي يحمل التفكر في خلق الله والتقشف صوفية فاعلة في إصلاح المجتمع مثل عمر المختار على سبيل المثال لا صوفية العزلة عن المجتمع وعدم التأدب مع الله وتفضيل الاولياء على الأنبياء مثل الحلاج وبن عربي والتقرب بالقبور والعبادة بالرقص مثل مولوية جلال الدين والرومي وكلها بدع ما انزل الله بها من سلطان .
أما عماد الدين فقد كان رجلا يملك عقلية عسكرية وإدارية لكنه كما ذكرنا كان همه الأكبر بناء الجبهة قبل بناء المجتمع .
جهود نورالدين لتنفيذ مخططه :
1- تطبيق الشريعة الإسلامية
2- تصحيح العقيدة وإحياء السنة
3- ضم مصر لمحور المقاومة

1- تطبيق الشريعة الإسلامية :
دأب نورالدين منذ اليوم الأول للعمل على إرساء الشريعة الإسلامية من خلال تطبيق دقيق ومحكم لتنفيذ ما يريد فأول شيء بدأ بنفسه وبحث عن قدوة يقتدي بها في الحكم فيكون سلوكه دافع للناس ليقتدوا به فوقع اختياره على الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه الذي تأسى بجده الفاروق عمر بن الخطاب ومن مقولات نورالدين التي تلخص نظرته للشريعة قال : ” ونحن نحفظ الطرق من لص وقاطع طريق ، والأذى الحاصل منهما قريب ، أفلا نحفظ دين الله ونمنع ما يناقضه وهو الأصل ، نحن شحن (حراس أو شرطة) للشريعة نمضي لأوامرها” .

2- تصحيح العقيدة وإحياء السنة:
حارب نورالدين البدع التي انتشرت وتجذرت في الشام منذ عهد الدولة الحمدانية الشيعية المذهب والتأثير السياسي للدولة الفاطمية التي سيطرت على الشام في عهد قوتها وأعاد الآذان إلى أصله حي على الصلاة وألغى آذان الشيعة حي على خير العمل وهو ما أثار غضب الشيعة كما أثاره والده من قبل عندما أوقف التظاهرات التي كان الشيعة يقيمونها لسب الصحابة وخاصة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وقام بدعم واسع للتصوف السني المعتدل لضرب الأفكار الشيعية فبنى التكايا والخانقات كما قام ببناء المساجد والمدارس واستدعى لها العلماء من شتى بقاع العالم الإسلام لتعليم الناس الدين الصحيح وقام بدعم تدريس المذاهب السنية الأربعة منها لتعريف الناس بالدين ومنها لبنائهم روحيا وذلك لمواجهة الاحتلال الفكري المتمثل في الخطر الشيعي الذي نشر البدع و كذلك الاحتلال العسكري المتمثل في الخطر الصليبي كما قام ببناء أكبر دار لتعليم الحديث النبوي ووكل أمرها للعالم والفقيه الكبير بن عساكر وهي نقطة مهم فرغم تفقه نورالدين في الدين مثل الكثيرين من السلاطين والخلفاء في ذلك العصر ولعل أشهرهم كان الخليفة هارون الرشيد إلا انه لم يتصدر للأمر بل جل من هو أقدر على ذلك وتخصص فيه فأجزل لهم العطاء ووفر كافة الإمكانيات لدعمهم وتسهيل مهمتهم الصعبة ورغم كثرة الرواة والفقهاء إلى ان أحدا منهم لم يكن يتحدث ويفتي رغم علمهم بالإضافة إلى نقطة ان العلوم الشرعية مثلها مثل أي علم يجب ان يتحدث فيها متخصص لا كل من قرأ بعض الكتب طعن في الحديث هذا وأخذ بذاك فالعلوم الشرعية لكي يتمكن الدارس منها يجب ان يدرس إلى جانبها اللغة العربية وقواعدها حتى لا تلتبس عليه الأمور في تفسير الأحاديث والقرآن مثلما يجب ان يدرس علم الجرح والتعديل وغيره من العلوم لا مثلما نرى من يفتي ويتكلم بغير علم فيطعن في الأحكام وصحيح البخاري لا لشيء لأنه لا يتوافق مع عقله بينما هو يرى في الأساس انه يعيق حريته في فعل ما يحلو له .

3-ضم مصر لمحور المقاومة :
كانت مصر في ذلك الوقت بمثابة رجل الشرق المريض فالدولة الفاطمية تلفظ أنفاسها الاخيرة فالصراعات قد اشتعلت كالنار في الهشيم فصراعات الوزراء لا تتوقف ولم تكن انظار نورالدين وعموري ملك القدس القوي ببعيدة عن ما يحدث في مصر فكلاهما يمني نفسه بالاستيلاء على مصر فهي الجائزة الكبرى بمواردها الوفيرة وسواحلها الممتدة التي تسمح ببناء أسطول قوي يكون كفة مرجحة في المعركة فبعد تولي نورالدين وخطواتها في توحيد الشام أصبحت القوة الإسلامية لأول مرة مساوية للقوة الصليبية فإستيلاء تلك القوة على مصر يكون قد طوقت مملكة بيت المقدس من الشمال والجنوب ومهدت الطريق لفتح القدس أما الصليبيون فكانوا ينظرون لمصر على أنها حديقتهم الخلفية التي يجب استغلال حالة الفوضى الحادثة لتفويت لفرصة على نورالدين لتطويقهم والاستفادة من وضع مصر الاستراتيجي واستغلالها كعمق استراتيجي لهم وبالطبع لا يمكن ان ننسى ثروات مصر الوفيرة وفي مقدمتها نهرالنيل وأرضها الخصبة .

وجاء اللحظة الفاصلة شاور و ضرغام وزيرا العاضد الخليفة الفاطمي الضعيف إشتعل الخلاف بينهما وطلب الوزيران الدعم من رجلي الشرق القويين نورالدين وعموري فشاور استنجد بنورالدين وضرغام بعموري اللذين لبيا النداء على عجل لكن تدخل نورالدين جاء بعد أمر الخليفة العباسي فقد أشار الخليفة العباسي المقتفي بالله على نورالدين بالتدخل وفي المرة الثانية تدخلوا بعد استدعاء شاور للصليبيين بعد الإنقلاب على نورالدين واستنجاده بعموري وحوصر صلاح الدين بالإسكندرية بينما كان شيركوه يغير على قوات شاور بالصعيد .

ثم كانت الثالثة في (561هـ/1166م) وإستوزر العاضد أسد الدين شيركوه بعد ان قتل شاور لكن لم يطل الوقت وتوفي أسد الدين شيركوه فتولى من بعده إبن أخيه صلاح الدين الذي استغل منصبه ومرض العاضد وبدا في تحجيم الدولة الفاطمية وتحجيم الخليفة العاضد ودعى للخليفة العباسي وهو الأمر الذي كان ضربة قاصمة للعاضد فلم يطل به الوقت كثيرا ومات وهو في الحادية والعشرين من العمر .

وخلال فترة وزارة صلاح الدين كان قد بدأ بإتخاذ الخطوات اللازمة للقضاء على الفاطميين بالتدريج وهو ماكان بدايات الخلاف بينه وبين نورالدين بسبب إستعجال نورالدين له بينما كان صلاح الدين يرى بالهدوء والروية حتى لا ينقلبوا عليه وتكون نهاية حلم نورالدين في ضم مصر بالإضافة إلى انتقاده لإنفاق صلاح الدين المال الجزيل في شراء ولاءات الناس لتقوية مركزه وهو ما رأه نورالدين إهدار للموارد ورغم المراسلات بين نورالدين وصلاح الدين وتوسيط نورالدين لنجم الدين أيوب إلا ان الخلافات لم تقف فقرر نورالدين الخروج بحملة لمصر لتأديب صلاح الدين غلا ان المرض عاجله وأصيب بالفالج (الشلل النصفي ) ولم يطل الأمر كثيرا حتى توفي تاركا إبنه الصالح إسماعيل الذي كان ألعوبة في يد أمراء أبيه لصغر سنه لولا تدخل صلاح الدين المخلص لأستاذه وإنقاذه لولد نورالدين رغم إستهتار باقي الأمراء بصلاح الدين وإستهزائهم به بسبب صغر سنه وعدم ظهوره بشكل بارز إلى ان خطواته فاجأتهم وكشفت عن شخصية أخرى شكلتها المعارك والصراعات في السنوات القليلة التي كان تحت قيادة عمه ثم تولى الوزارة فقد كان صلاح الدين وقتها في الثالثة والثلاثين من العمر وفي نهاية قصتنا مع آل زنكي لايمكن إلا ان نقول ان تحرير القدس على يد صلاح الدين ماكان ليكن لولا خطوات الزنكيين وتمهيدهم للطريق وهنا أنا أتفق مع الباحث وليد فكري أنه لولا الزنكيين ونجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه ماكان صلاح الدين ففتح القدس كان بمثابة تكليل لجهود سنوات طويلة من المقاومة والجهاد منذ مودود وزنكي حتى صلاح الدين .”

Series Navigation << دولة آل عثمان – الحروب الصليبية بين الشرق و الغرب #27

اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

153
1k share, 153 points

0 Comments

شكرا للمشاركة