" />

الأب الروحي

كان يسكن معنا في نفس العمارة "عم ابراهيم" رجلا كنا نعده غريب الاطوار يعيش وحيدا بعد انفصاله عن زوجته منذ زمان طويل لم نكن نعرف الاسباب وكنا صغار لا نهتم .. ولكن كنا نعرفه حبه الشديد للحيوانات ولم يمنعه تقدمه في السن من انشاء حديقة حيوان في شقته . 1 min


96
430 shares, 96 points
الأب الروحي - الأب الروحي

الأب الروحي

كان يسكن معنا في نفس العمارة “عم ابراهيم” رجلا كنا نعده غريب الاطوار يعيش وحيدا بعد انفصاله عن زوجته منذ زمان طويل لم نكن نعرف الاسباب وكنا صغار لا نهتم .. ولكن كنا نعرفه حبه الشديد للحيوانات ولم يمنعه تقدمه في السن من انشاء حديقة حيوان في شقته .

كنت الاقرب له من باقي ابناء الجيران حيث كان دائما يرسلني للعطار لشراء شئ او شيئين لحيواناته وطيوره التي كرس عمره لهم وبحكم اقترابي منه علمت منه اشياء كثيرة عنه وكيف ان زوجته اعتبرت حبه للحيوانات “ضرة” لا تقبلها ولكنه اصر وهي ايضا اصرت فكان التسريح بإحسان هو الحل.

كان عم ابراهيم يقتني زوجا من القطط وزوجا من الكلاب و سلحفاة وزوجا من الببغاء تلك كانت عائلة عم ابراهيم التي استغني بها عن البشر ووهب لهم حياته .

حين يضع المفتاح في مزلاج الباب ويفتح الباب كانوا يهرعون نحوه كما لو كان ابا عائد من عمله فيهرع اليه صغاره فرحين بحضوره .. كنت اشاهد كل ذلك وانا مندهش مما يحدث .
كنت اعرف حالتهم الصحية من حالة عم ابراهيم النفسية فحين اقتراب ميعاد ولادة القطة كان متوترا قلقا شعور اب وقت ولادة ابنته وحين قامت القطة بولادة اربع ازواج من الصغار لمحته يبكي وكأنها ابنته التي تعاني الالام الولادة واخذ يحتضن صغارها ودموع الفرحة تغمره كمن يحمل احفاده، الغريبة ان القطة لم تمارس امومتها في الدفاع عن صغارها حين حملهم وكأنها تعطيهم الدرس الاول ان “عم ابراهيم” اباهم الروحي .

كنت اذهب لزيارته فأجد العجب العجاب اجدهم جميعا ملتفون حوله وهو يضع الطعام لهم وكأنها اسرة تتناول غدائها لايبخل بنصيحة علي قط او مشورة علي الكلب في اثناء تناول الطعام كل امام طبقه .. وكل بأسمه الذي اطلقه عليه كنت اقف مشدوها امام تلك المعضلة فالببغاء يخرج من قفصه ويطير حرا كما يمكنه الخروج ولكنه لم يفعل .

سألته ذات مرة كيف فعلت هذا ياعم ابراهيم اجابني ببساطة وكأن الامر عاديا جدا “دول ولادي يا ابني والوفا من طبعهم حبتهم وحبوني” لم اقتنع بقوله وقتها وانا اقنع نفسي بأنهم ذات يوم سيتركوه .
اخبرني عم ابراهيم ان اي اب يتمني ان يموت وسط ابنائه وانا كذلك اود ان اموت وسطهم .. ماجعلني اتسائل من اي الكواكب انت ايها العجوز الطيب حتما من كوكب الحب والرحمة .

اخذتني مشاغل دراستي فترة عن عم ابراهيم فوجدتني افتقد ذلك العجوز الطيب فنزلت للسؤال عنه طرقت بابه مرات ومرات ولم تكن هناك استجابة ناديت علي بواب العمارة اخبرني انه لم يخرج اليوم توجست خيفة ان يكون اصابه مكروه وعزمنا علي كسر الباب .. دخلنا فوجدنا عجبا وجدنا عم ابراهيم ميتا علي اريكته يحمل القط في حضنه ويلعق الكلب في قدمه كأنه يحثه علي النهوض والببغاء يمتطي كتفه والسلحفاة جاثمة علي صدره في اصدق لوحة معبره عن روح الاسرة والوفاء والحزن مرسوم علي وجوه الحيوانات لدرجة تخبرك بموت “الاب الروحي” واقسم اني بكيت حاولنا ايقاظه ولكن لا حياة لمن ينادي فعرفنا وتكتمنا الصدمة الغريبة انهم ويكأنهم في عالم اخر او ان الصدمة اثرت فيهم لم يتحرك منهم احدا من مكانه حتي وصل الطبيب الذي ابعدهم مرغمين ناظرين له نظرة الوداع ..

رغم فتح باب الشقة علي مصراعيه الا انه والحق يقال لم يخرج منهم احد ظلت اعتني بهم بعد وفاة عم ابراهيم واقسم ان احدهم لم يعد يمس الطعام رغم محاولاتي وضع الطعام بالطريقة نفسها لعم ابراهيم حتي نفقوا جميعا واحدا تلو الاخر لم يتبقي سوا صغار القطة اعتني بهم حتي الان .

تري هل ذهد الوفاء في دنيا البشر ووجد مؤنسا في عالم الحيوان ام نحن من اقمنا عليه حد النفي بعيدا حتي لا يصيبنا بعدوي الوفاء واصاب الحيوان هنيئا لعم ابراهيم عاش حياته منعما بوفاء خالص ورحل خلفه عشيرته الاوفياء تحية لعم ابراهيم الانسان الذي عرف قيمة الحب والرحمة فلم يتخلي عنهم ولم يتخلوا عنه .

#تمت‫#

بقلم Ismail Gamal Eldin


اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

96
430 shares, 96 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة