in

جرائم تاريخية – المهرج #15

- جرائم تاريخية – المهرج #15

الفصول الأولى من حياة المهرِّج

شارك القاطنون بولاية “شيكاجو” الاحتفال مع السيد والسيدة “جايسي” في السابع عشر من مارس من عام ١٩٤٢؛ حيث رزقت “ماريون إيلين روبنسون جايسي” و”جون واين جايسي” (الأب) بطفلهمـا الذكر الأول، حيث كان “جون واين جايسي” (الابن) هو الثاني بين إخوته، يفصل بينه وبين شقيقته الكبيرة “جوان” عامين، وبعد عامين من مولده رزق أبواه بشقيقته الصغيرة “كارين”.. لينشئ الأبوان أطفالهمـا على الكاثوليكية، حيث التحق جميعهم بمدرسة كاثوليكية قرب مسكنهم بشماليّ “شيكاجـو”..

 

لم يكن غيـر مـُعتاد في تلك المنطقة عمـل الطلبة بوظائف مؤقتة أثنـاء الدراسة، ولم يكن “جون” الابن بالاستثنـاء؛ حيث عمل بوظائف مختلفة إلى جانب فرق الكشافة التي كان يحضرهـا.. ليعمل في بيع الجرائد تارة، وفي محل بقالة كصبي تغليف تارة، وأحيانـًا كموظف بمخزن.. وعلى الرغم من أن “جون” لم يكن فتى لامعـًا في المدرسة، لكنّ مدرسيه أحبوه لذكائه، وأحبه زملاؤه بالكشافة أيضـًا، ليكتسب بعض الأصدقاء مستمتعـًا بالجولات الكشفية والرحلات التي يقوم بهـا مع أصدقائه.. كان “جون” أقرب لطفل طبيعي، فيمـا عدا علاقتـه بوالده وبعض الحوادث التي عانى من آثـارهـا فيمـا بعـد..

 

عندمـا كان “جون” الصغيـر في الحادية عشرة، اصطدمت رأسه بأرجوحة أثنـاء لهوه بأخرى.. سببت الحادثة له جلطة في المخ، لكنهـا لم تكتشف إلى أن بلغ السادسة عشرة.. ومن سن الحادية عشرة إلى السادسة عشرة عانى “جون واين” الصغيـر من حالات فقدان وعي متكررة نتيجة تلك الجلطة، لكنهـا كانت تختفي سريعـًا حينمـا يتعاطى دواءه الذي يخفف من آثـارهـا..وفي سن السابعة عشرة، شخـَّص الأطبـاء علة مجهولة في القلب لديـه، وكان يذهب للمستشفى مرات عديدة في حياتـه نتيجة هذا المرض، لكن لم يستطع أيّ من الأطبـاء تحديد سبب الألـم الذي يعانيه مـُطلقــًا.. وعلى الرغم أنه اشتكى كثيرًا من هذا المرض لاحقـًا “خاصةً بعد اعتقالـه”، لكنه لم يعانِ من أزمـات قلبية طيلة حياتـه..

 

وفي أواخـر مراهقته، بدأ “جون” في الشجـار مع والده، لكن علاقتـه بأمه وشقيقتيه ظلت على قوتهـا.. وكان “جون واين” الكبيـر مدمنـًا للكحوليـات يعتدي على زوجته بالضرب كثيرًا ويعتدي بالألفاظ الجارحـة على أولاده باستمرار.. وعلى الرغم من كون أبيه شخصية قميئة غير قابلة للمعاشرة، لكن “جون” الصغيـر أحب والده كثيرًا، وظل يحاول اكتساب وده وجذب انتباهـه.. لكنه للأسف لم يستطع الاقتراب من والده حتى وفاة الأخيـر.. الشيء الذي نـدم عليه طيلة حياتـه.

 

يأس “جايسي” من إنهـاء دراستـه بالثانوية بعد مروره على أربع مدارس مـُختلفة و رسوبه المتكرر بهـا، ليترك المدرسة الثانوية وينتقل إلى “لاس فيجـاس”.. ليعمل في البداية خفيرًا على قاعة جنازات، حيث كان يقوم بوظائف غريبة لم يرَ أنهـا تليق بإمكانياتـه الحقيقية، ولم يكن سعيدًا أبدًا في “فيجاس” لأنـه لم ينجح في إيجـاد وظيفة مـُحترمة.. ليحـاول باستماتة جمع مبلغ من المـال يعود به إلى مسقط رأسه، ولم يكن ذلك سهلاً؛ حيث استغرق منه ثلاثة أشهـر لجمع ثمن التذكرة التي أقلتـه أخيرًا إلى “شيكاجو” مرة أخرى، لتستقبله أمه وشقيقتاه بترحاب وود..

 

سريعـًا بعد عودته من “فيجاس” في أوائل الستينيات، التحق “جايسي” بكلية إدارة الأعمـال، ليتخرج بعدمـا اكتشف مهاراتـه في فنون ومهـارات البيع، كأنه ولد ليعمل في المبيعـات، حيث كان يملك قدرة لا بأس بهـا على الإقنـاع ولباقة في الحديث تؤهله لتلك الوظيفة.. ليستخدم مهاراته ويحصل على وظيفة بمتجر “نان بوش” للأحذية، الذي سرعـان ما ترقـّى فيه حتى وصل لمنصب مدير منفذ بيع “سبرينج فيلد” بولاية “إلينوي”..وكان هذا هو الوقت التي أعلنت فيهـا متاعب “جايسي” الصحية عن نفسهـا كعائق في حياته، حيث زاد وزنـه بة غير طبيعية، ليعاني مشاكل أكثر خطورة بسبب علة قلبه، وزاد الأمـر سوءًا عندمـا دخل المستشفى لاحقــًا لإصابة في عموده الفقريّ.. لتشكـِّل متاعب “جايسي” الصحية مع وزنه الزائد ومتاعب قلبه وظهره عائقــًا لا بأس به حتى نهاية حياتـه.. لكنهـا لم توقفه عن عمـله ولا نشاطاتـه الأخرى..

 

حينمـا كان في “سبرينج فيلد”، اشترك “جايسي” بالعديد من المنظمات المـُهتمة بالنشاط الاجتماعيّ؛ مثل نادي “تشي رو” الذي كان رئيس مجلس إدارتـه، والمجلس الكاثوليكي الذي اشترك بمجلس إدارته، ومنظمة الحقوق المدنية الفيدرالية لولايتيّ “إلينوي” و”شيكاجو” حيث شغل منصب القائد بالأخيـر، وعضوية “الهيئة الأمريكية لإعداد الشباب” –منظمة غير ربحيـّة لإعداد الشباب للتجاريات والإداريـات وبعض النشاطات الخيرية العالمية- التي خصـَّص لهـا “جايسي” أغلب وقته ليصبح أول رئيس مجلس إدارة لهـا وانتخب وقتهـا “رجـل العـام”..

 

كانت “مارلين مايرز” زميلة العمـل هي الزوجة التي اختارهـا “جايسي” عام ١٩٦٤، والتي امتلك أبواهـا بعضا من سلسلة مطاعم “كنتاكي فرايد تشيكن” للوجبات السريعة في “واترلو” بولاية “أيـوا”.. ليعرض “فريد مايرز” على زوج ابنته منصبـًا بأحد فروع مطاعمـه، لينتقل “جايسي” وزوجته بعدهـا بفترة قصيرة للإقامة في “أيـوا”..لتحمـل الحياة الكثيـر من الأمـل لـ “جايسي” في هذه الفترة، حيث بدأ العمـل لدى والد زوجته مـُتعلمـًا أصول العمـل من الصفر، ليعمـل لمدة اثنتي عشرة ساعة باليوم تزيد أحيانـًا إلى أربع عشرة.. كان مجتهدًا راغبـًا في تعلـم المزيد طامحـًا في إدارة سلسلة المطاعم بأكملهـا ذات يوم.. وفي وقت راحته، كان “جايسي” يقوم بأعمـال المنظمة الخيرية بفرعهـا في ولاية “أيـوا”..

 

وكان “جايسي” يجد الوقت بشكلٍ مـا بين عمله الأساسي والخيريّ ليقضي وقتـًا ممتعـًا مع زوجتـه.. حيث رزق في تلك الفترة بابنه الأول ثم ابنته بعد فترة قصيرة.. كان “جايسي” يملك كل أسباب السعـادة في أعوام إقامتـه الأولى في “أيـوا”، حيث امتلك منزلاً جيدًا في الضواحي يسكن فيه مع عائلة مـُحبـّة في بيئة صحيـّة.. واستمتعت “مارلين” بتربية أولادهـا وكان “جون” سعيدًا في، حتى أنه خاص انتخابات رئاسة مجلس إدارة المنظمة وبدأ حملته الانتخابيـة وقتهـا..بدت الحياة وردية في عين “جون واين جايسي”، لكن حظه السعيد لم يكن ليدوم فترة أطول.. حيث بدأت الشائعـات تتناقل في المدينة الصغيرة حول أولوياته الجنسيـّة؛ حيث وضح اهتمـام “جايسي” بالمراهقين من الأولاد.. وبدأ تناقـل الحكايات حول استغلالـه لفتيان من العاملين لديه بسلسلة مطاعم الوجبات السريعة.. لكن لم يصدق أحد تلك الشائعـات وقتهـا، حتى عـام ١٩٦٨ التي تحوَّلت فيه تلك الشائعـات إلى حقائــق!

 

في ربيـع العـام ١٩٦٨ استدعي “جايسي” للمثول أمام قضاء بلدة “بلاك هوك” كمـُتهم، باغتصابـه لمـُراهق يـُدعى “مارك ميللر”.. ليـُخبر “ميللر” القاضي بأن “جايسي” قد خدعه وقيـّده في منزله منذ حوالي العـام واغتصبه بقسوة.. لينكر “جايسي” التهمـة ويخبر الادعـاء بقصة مضطربة مقامهـا أن “ميللر” أقـام معه علاقة جنسية بكامل رضاه طمعـًا في مالـه.. كمـا أصرّ “جايسي” بأنهـا مؤامرة مدبرة من أعضـاء المنظمة الخيرية الراغبين في مقعد رئاستهـا لمنعه من النجاح في انتخاباتهـا..ولم يكن هذا هو الاتهـام الوحيد الذي واجهه “جايسي”، فبعد أربعة أشهـر مثل مرة أخرى أمـام المحكمة متهمـًا بتدبيـر عملية اعتداء على “ميللر” باستخدام فتى يـُدعى “دوايت آندرسون”، حيث أعطاه “جايسي” عشرة دولارات مـُقدمـًا مع وعد بدفع ثلاثمائة دولار أخرى إن ضرب “مارك ميللر”.. حيث استدرج “آندرسون” “ميللر” إلى سيارتـه ورشَّ في عينيه سائلا حارقا وبدأ في ضربـه، لكن “ميللر” نجح في الفرار لملاذ آمن ليبلغ الشرطة عن الواقعة، ويقبض على “آندرسون” الذي شهـد بأن “جايسي” هو من أجـَّره لضرب “ميللر” انتقامـًا منـه..

 

مثل “جايسي” بناءً على أمـر القاضي أمـام لجنة قياس نفسيّ لتحديد استعداده للمثول أمام الادعـاء في المحاكمة من عدمـه، لتقرر اللجنة أهليتـه عقليـًا لذلك.. وجاء في التقرير أن شخصيته غير اجتماعيـّة، وأن حالته تلك غير قابلة للعلاج بأي دواء معروف.. وسرعـان مـا صدر الحـُكم عليه بعد استلام القاضي للتقريـر بعشـر سنوات في سجن ولاية “أيـوا” التأهيليّ للرجـال، وهي أقصى عقوبة لهذا النوع من الجرائم في قانون الولايـة..ودخـل “جايسي” السجن لأول مرة وهو في السادسة والعشرين من عمره، وقدَّمت زوجته طلبـًا للطلاق منـه بعد دخوله مباشرةً بحجة خيانته لمواثيق الزواج، ليقبل طلبهـا بعد فترة قصيرة..

 

أثنـاء وجوده بالسجن، كان “جايسي” سجينـًا مثاليـًا، حيث تجنـَّب المشاكل ولفت الأنظـار طمعـًا في خروج مـُبكـِّر لحـُسن السير والسلوك.. لتتحقق أمنيته بالفعـل ويخرج من السجن بعد ثمانية عشر شهرًا بعد قبول طلب الإفراج المشروط عنـه.. ليخرج “جايسي” في الثامن عشر من يونيو عـام ١٩٧٠ من بوابـة السجن مـُتجهـًا إلى مسقط رأسـه في “شيكاجـو”.بدأ “جون جايسي” في استعادة نمط حياته مرة أخرى بعد انتقاله إلى “شيكاجو” في منزل والدته، لم يسمح للماضي بإفسـاد مستقبلـه..

 

لكن مـا كدَّر كاهله وقتهـا هو وفاة والده أثنـاء فترة تواجده بالسجن، أثـَّر ذلك كثيرًا على نفسية “جايسي” وأصيب باكتئاب حاد لفترة طويلة لائمـًا نفسه على عدم إمكانية توديع والده قبل وفـاته وبعد أربعة أشهـر من إقامتـه مع والدته، قرَّر “جايسي” أن الوقت قد حان ليعيش وحده.. اندهشت والدته كثيرًا من سرعة تكيـُّفه مع العالم بعد خروجه من السجن لكنهـا سعدت لذلك كثيرًا، لتساعده على شراء منزل خارج حدود الولايـة، المنزل رقـم 8213 بـجادة “وست سمردايل” في ضيعة “نوروود بارك”، ملك “جايسي” نصف المنزل وبقي النصف الآخـر ملكـًا لوالدته وشقيقتيه..

 

في الأول من يونيو عـام ١٩٧٢ تزوَّج “جايسي” من “كارول هوف”؛ مـُطلـَّقة حديثـًا ولديهـا طفلتان من زواجهـا الأول.. حيث استغـلّ هشاشتهـا النفسية بعد طلاقهـا ليتقرَّب منهـا، لتستقر “كارول” مع طفلتيهـا سريعـًا في بيت “جايسي”، وتقيم الأسرة الجديدة علاقة وثيقة بالجيران آل “جريكسـا”، حيث كانوا يدعون باستمرار لحفلات “جايسي” للشواء..وعلى الرغم من امتنان “إدوارد جريكسـا” وزوجته “ليلي” لصداقة ودعوات الزوجين الشابين، لكنهمـا تضايقـا كثيرًا من رائحـة نتن قوية تنبعث من أسفـل أرضية منزل “جايسي” باستمرار، وكانت “ليلي” تصرّ على وجود فأر ميت بين ألواح الأرضية وتدعو “جايسي” باستمرار لإزالة جثته.. لكن “جايسي” كان يفسـِّر الرائحـة دومـًا بأنهـا ناتجة عن رطوبة بالأرضية لعيب في نظـام الصرف بالأسفـل.. لكن “جايسي” كان يعلم السبب الحقيقيّ، ليخفي الحقيقة المـُروِّعـة عن الجميـع لأعوام طوال..

 

وعلى الرغم من شكوى العديد من الأصدقـاء وأفراد عائلة “جايسي” من تلك الرائحـة، لكنهم لم ينقطعوا عن حضور حفلاتـه باستمرار، التي زادت ضخامتهـا واشتهـر منزل “جايسي” بهـا، حتى إن إحدى حفلاتـه على طراز “هاواي” قد حضرهـا أكثر من ثلاثمائة شخص.. ليصبح “جايسي” شهيرًا في البلدة، ويأخذ الجميع في تناقل أخبـار حفلاتـه الضخمة المـُعدّة بعناية.. وغبط “جايسي” لذلك كثيرًا، حيث كان يعشق جذب الانتبـاه، في الواقـع كان يستمتع كثيرًا بكونـه شخصـًا ذا أهميـة.قرَّر “جايسي” أن الوقت قد حـان للانفراد بعمـل خاص يملكه وحده، ليؤسس شركة للديكورات والدهـان والصيانة، وعيـَّن طاقـم مستخدميـه كله من المراهقين بحجة تقليـل التكاليف..

 

لكن هذا لم يكن السبب الرئيسيّ بالطبع، لأن “جايسي” قد بدأ بالفعـل في إغواء عـُمـّاله الصغـار للقيـام بأفعـال مـُخزية، وأصبح سلوكـه الشاذ واضحـًا للعيـان وبالأخصّ زوجتـه..انفصل “جون” عن “كارول” عـام ١٩٧٥، فقد أصبحت حياتهمـا الزوجية بلا معنى تقريبـًا، لكن ما صعقهـا هو اعترافه بشذوذه الجنسي! لتطلب “كارول” الطلاق رسميـًا، وتنالـه في الثاني من مارس عـام ١٩٧٦..

 

أدرك “جايسي” أن لا سبيل لتحويل طموحاته إلى واقع سوى الاقتراب من الناس، لذا بدأ في نشاطات عديدة للمجتمع.. رزق “جايسي” بمهارة فريدة في الإقنـاع، لينجح سريعـًا في كسب ود الناس، وينتبه إلى مهاراتـه تلك عضو المجلس المحليّ للبلدة “روبرت ماتويك”.. ليقوم “جايسي” بعدهـا تحت لواء شركته بتنظيف مقر الحزب الديمقراطي بالبلدة دون أجر بانتظـام.. وينبهـر “ماتويك” عندمـا يشـاهد “جايسي” في ثوب “بوجو المـُهرِّج” في المستشفيـات أو الحفلات لتسلية الأطفـال متطوعـًا جاهلاً بتاريخ “جايسي” الإجراميّ، اقترب “ماتويك” منه ورشحه لتولي مقاولة الإنـارة بالبلدة، حتى أصبح “جايسي” أمينا لخزانـة المجلس عـام ١٩٧٥، وتبدو أحلامـه الورديـة في طريقهـا للتحقيق، لكن مستقبله السياسي لم يكن ليدوم..

 

سرعـان ما بدأت الأقـاويل تحوم حول “جايسي” مرة أخرى، ليتناقل سـُكـّان البلدة سلوكه الغريب وميوله الجنسية الشاذة تجاه المراهقين من الذكور.. ولا دخـان بغيـر نار، فقد بنيت تلك الأقـاويل على واقعـة حقيقيـة.. حول تصرُّفـه مع “توني آنتونيتشي” ذي الستة عشر عامـًا والذي يعمل تحت إمرته بشركة المقاولات، حيث حـاول “جايسي” حسب كلام الصبيّ التحرُّش بـه، ولم يتوقف إلاّ عندمـا هدده “آنتونيتشي” بضربه بالكرسي الذي كان يمسك بـه، ولم يقترب منه “جايسي” بعد تلك الواقعة لمدة شهـر..

 

“حالات اختفاء” ضحايا جايسي

١-جوني باتكوفيتش

على شاكلة أغلب الشباب في هذا السن – السابعة عشرة – كانَّ “جوني باتكوفيتش” اهتمامـًا خاصـًا بالسيارات، وافتخر كثيرًا بسيارته الـ”دودج” موديل ١٩٦٨، كان يقضي وقتـًا كثيرًا في العناية بهـا وصيانتهـا بنفسه، وكان يعشق دخول السبـاقات بهـا نتيجة هوايتـه المـُكلـّفة تلك، اضطر “جوني” للالتحاق بوظيفة، ليتوظـَّف لدى شركة المقاولات المملوكة لـ”جون واين جايسي” طامحـًا في الأجـر المـُحترم الذي سيغطي مصاريف سيارتـه.. وكان تعامـُل “جايسي” معه جيدًا، لتنشأ صداقة بينهمـا ساعدت على تخفيف عبء ساعـات العمـل المـُرهقة.. لكن تلك العلاقة انتهت فجأة حينمـا رفض “جايسي” نقد “جوني” أجره المـُستحق عن الأسبوعين اللذين عمل فيهمـا، الشيء الذي كان يفعلـه كثيرًا مع عـُمـّاله ليكنز النقود لنفسـه ليصل غضب “جوني” إلى الذروة، ويأتي مع صديقين له إلى منزل “جايسي” مـُطالبـًا إيـاه بمستحقاتـه.. ليرفض الأخيـر إعطاءهـا له وتدب بينهمـا مـُشاحنة هدَّده فيهـا “جوني” بتبليغ السلطات عن تهرُّبه من الضرائب، ليثور “جايسي” في وجهه بعنف أكثـر و يدرك “جوني” في النهايـة أن لا فائدة، ليترك المنزل مع صديقيه عائدًا، ليوصل صديقيه إلى منزليهمـا ويقود سيارتـه إلى بيتـه.. وكانت تلك آخـر مرة يـُرى فيهـا “جوني” على قيد الحياة..

 

٢- مايكل بوني

و لم يكن “مايكل بونين” بهذا الاختلاف عن “جوني”، فقد أحبَّ أيضـًا العمل اليدويّ، حيث كان يعشق أعمـال النجارة ويبرع فيهـا ، في يونيو من العـام ١٩٧٦ كان “مايكل” يعمـل على إصلاح “فونوجراف” قديـم، لكن القدر لم يمهله لإكمـال عملـه؛ حيث اختفى نهائيـًا في الطريق إلى محطة القطـار، حيث كان سيسافر لمقابلة شقيق زوج أمـه وكان “بيللي كارول” من النوع الذي يقع في المتاعب دومـًا، لم يذكـر أبواه يومـًا هادئـًا لم يشتكيـا منه فيه؛ حيث دخل إصلاحية الأحداث في التاسعة لسرقتـه حقيبة يد، وقبض عليه في الحادية عشرة لحوزتـه مسدسا.. كان شابـًا عابثـًا لاهيـًا، يقضي مـُعظم يومه في شوارع “شيكاجو”و في سن السادسة عشرة، كان “بيللي” يقوم بدور قوّاد بالوساطة بين المراهقين الشواذ جنسيـًا والكبـار من راغبي اللواط مـُقابـل نسبة ماليـّة.. وفي الثالث عشر من يونيو عـام ١٩٧٦ خرج “بيللي” من بيتـه بلا رجعـة.

 

٣-جريجوري جودزيك

أحبَّ “جريجوري جودزيك” وظيفته في شركة المقاولات كثيرًا، ولم يكترث لغرابة المهام التي كـُلـِّف بهـا كأعمـال التنظيف، حيث أهـَّله مـُرتـّبه لشراء قطع غيـار لسيارتـه الـ”بونتياك” موديل ١٩٦٦.. كان فخورًا بسيارتـه على الرغم من حالتهـا الرثة، لكنه كان مقتنعـًا بأنهـا تؤدي الغرض وزيادة بعدمـا قاد “جريجوري” ذو السبعة عشر ربيعـًا سيارته الحبيبة إلى منزل صديقتـه التي وقع في حبهـا منذ زمن لا بأس به، أدار المـُحرِّك ليتجه إلى منزله في الثاني عشر من ديسمبر عام ١٩٧٦، ليختفي كالسابقين دون أثـر سوى سيارتـه الـ “بونتياك” التي لم تجد الشرطة غيرهـا من آثاره..

 

٤-جون سيزيك

وفي يوم عشرين من شهـر يناير عـام ١٩٧٧، اختفى “جون سيزيك” بنفس الطريقة الغامضة مع سيارتـه الـ”بلايموث” موديل ١٩٧١، ولم يره أحدًا حيـًا منذ يومهـا.. لتقبض الشرطة بعدهـا بأيـام على مراهق في سيارة “بلايموث” من نفس الموديل لمحاولتـه الهرب من محطة البنزين دون دفـع ثمن الوقود؛ ليصرخ الشاب قائلاً بأن الرجل الذي يشاركه السكن سيفسـِّر الأمـر، “جايسي” كان هذا الرجـل ليفسـِّر “جايسي” الأمـر بأن “سيزيك” قد بـاع له سيارته الـ بلايموث” منذ فترة قصيرة.. ولم يدقق رجال الشرطة وقتهـا في وثيقة البيع الموقعة بعد ثمانية عشر يومـًا من اختفاء “سيزيك”، ولا في توقيـع “سيزيك” الذي لم يكن حتمـًا توقيعـه.. ويشير هنـا “لينديكر” في ه “The Man Who Killed Boys” إلى حقيقة أن “سيزيك” لم يكن يعرف “جريجوري جودزيك” و”جوني باتكوفيتش” فحسب، بل إنـه:

“كان على علاقة بـ “جايسي” على الرغم من أنـه لم يعمـل لديه قــَط”.

 

٥- روبرت جيلروي

كمـا حدث نفس الشيء تقريبـًا لـ”روبرت جيلروي” الذي كان عاشقـًا للهواء الطلق والمساحـات الشاسعة، كان يكثر من التخييم ويعشق ركوب الأحصنة.. كان من المفترض أن يلحق “روبرت” بأصدقائه في الحافلة ليتجهوا سويـًا لركوب الخيل على الشاطئ، لكنه لم يظهر مـُطلقـًا.. ليبدأ والده ضابط البوليس في حملة للبحث عنه فور علمه باختفائه، وعلى الرغم من اتساع نطاق البحث الذي بدأه والده مع زملائه، لكنهم عجزوا عن إيجـاده وكان سن الخامسة عشرة هو الذي قـّدِّر فيه اختفاء “روبرت باييست” من أمـام الصيدلية التي كان يعمل بهـا بعد إنهـائه ورديتـه بدقائق معدودة.. وكانت والدته تنتظره بسيارتهـا لتعود به إلى البيت، حيث قال لهـا إنه سينهي مقابلته مع صاحب شركة مقاولات وعده بعمل لديـه ثم يرجع أمـام الصيدلية، لكنه لم يعـُد مـُطلقــًا..

انقلب قلق الأم ذعـرًا شاملاً مـع مرور الوقت، لتسأل عنه في الصيدلية وخارجهـا بلا فائدة، لم يره أحد.. لتبلغ الشرطة بعد ثلاث ساعات من اختفائه المـُريب، ويقود المـُلازم “جوزيف كونتزاك” التحقيق في تلك الواقعـة..وسـُرعـان ما اتجه “كونتزاك” إلى بيت “جايسي” بعد أن قادتـه الأدلة لأنه المقاول الذي عرض الوظيفة على “روبرت جيلروي”.. ليسأله “كونتزاك” بعض الأسئلة ويطالبه بالتوجه إلى القسـم للإدلاء بأقواله رسميـًا، لكن “جايسي” يتعلل بحالـة وفاة عائلية تـُلزمه بالبقـاء في منزلـه لتلقي العزاء تليفونيـًا.. ليذهب “جايسي” بعد ساعـات إلى المخفـر ويشهـد بعدم معرفتـه بأيّ تفاصيل تفيـد التحقيق في اختفـاء الشاب الصغيـر، ليعود “جايسي” إلى منزلـه بعد انتهـاء الإدلاء بأقوالـه..

 

لكنَّ المـُلازم “كونتزاك” لـم يكتفِ بذلك، ليدفعه هاجس غامض إلى البحث في سجـل “جايسي” في اليوم التالي، ليندهش عندمـا وجد صحيفة سوابق الأخيـر تحمـل إدانـة باعتداء جنسيّ على صبيّ مـُراهـق؛ ليدفـعه ذلك لاستخراج إذن تفتيش لبيت “جايسي”، المكان الذي اعتقد “كونتزاك” بشدة أنـه سيجد فيه “روبرت باييست”.

في الثالث عشر من ديسمبر عام ١٩٧٨، اقتحمت الشرطة منزل “جون واين جايسي” بـ (سمردايل آفينيو).. ولم يكن “جايسي” مـُتواجدًا ساعتهـا و كانت الأشيـاء التي صادرهـا المـُحقــِّق “كاوتز” المسئول عن الجـرد من منـزل “جايسي” كالآتي:

• صندوق مجوهـرات بـه رخصتا قيـادة والعديد من الخواتم منها واحد منقوش عليه اسم خريجي مدرسة (ماين ويست) الثانويـة لعـام ١٩٧٥ والحروف الأولى: ج. أ.س.
• صندوق وُجـِد داخلـه مـُخدِّر (الماريجوانـا) وبعض أوراق التبـغ.
• سبـعة أفلام إباحيـة مصنوعـة في (السويـد).
• بعض أقراص المـُهدِّئـات.
• مطواة.
• زوج من الأغـلال الحديديـة ومفتاحهـا.
• قطعةً مـُمـَّزقـة مـُبقـَّعة من سجـادة.
مـُلوَّنـة لصيدليـات.
• مـُفكــِّرة.
• ميــزان.
• كتب عـِدّة تتراوح مواضيعهـا بين الشذوذ الجنسيّ والعلاقـات بين المراهقيـن والكـِبـار.
• لوح خشبيّ طولـه حوالي المتـر مثقـوب من طرفيـه.
• إيصـال استـلام ل كاميـرا.
• مسدس إيطاليّ وطلقـات لـه.
• بطاقـات تعريف خـاصة بالشـُرطـة.
• إبـرة للحقـن تحت الجلـد وزجـاجـة بـُنيـّة صغيـرة.
• بعض الملابس بمقـاسات مـُختلفة أغلبهـا أصغـر من مقـاس “جايسي”.
• حبـل من النايلـون.

 

وتم مـُصادرة ثلاث من سيارات “جايسي” أيضـًا.. واحـدة منها وُجـِدت في حقيبتهـا خـُصل من شعـر اكتشف المعمل فيمـا بعد أنهـا تنتمي لـ “روب بايست”..

 

كمـا نزل المـُحققون للبدروم تحت منزل “جايسي”، ليُصدمـوا بالرائحـة النتنـة هنـاك، مما جعلهم يفترضون أنهـا جزئيـة للصرف الصحيّ.. كمـا وجدوا المكـان مرشوشـًا بالجيـر، لكنهم لم يجدوا فيـه ما يريب أثنـاء بحثهـم الأوليّ.. ليعود رجـال الشرطة لمقرّهم لإجراء فحص العينـات المأخوذة من المنزل والبحث في القضيـة بتمعـُّن أكثـر..تم استدعاء “جايسي” في قسـم الشـُرطة لسؤالـه عن الأشيـاء التي وجدوهـا في بيتـه، والذي مـا لبث أن رآهـا ليغضب ويستدعي مـُحاميـه الذي أوعـز إليه بعدم الإمضـاء على ورقـة حقوقـه التي يكفلهـا له القانون.. وفي النهايـة لم تجـد الشـرطة أدلـة كافيـة لاعتقـال “جايسي”، ليكتفوا بسؤالـه عن واقعـة اختفـاء الصبيّ “بايست” مرة أخرى، ثم أطلقـوا سراحـه.. لكنهـم في ذات الوقت لم ييأسـوا من البحث، حيث وُضـِعَ “جايسي” تحت المراقبـة لمدة أربـع وعشرين ساعـة يوميـًا..

 

في الأيـّام التاليـة لتفتيش المنزل، استدعت الشـُرطة أصدقـاء “جايسي” لاستجوابهم.. وكان الأخيـر قد أخبرهـُم مـُسبقــًا بأن الشرطة تحاول إلصـاق تهمـة القتـل بـه، وادّعى أمـام أصدقائه أنه لا علاقـة له بالأمـر كلـه.. ووصلت نتائـج تلك التحقيقـات لمعرفـة علاقة “جايسي” بـ “روبرت بايست”، وإن لم يـُصدِّق أصدقـاء الأول بإمكانيـة ارتكابـه لجريمـة شنيعـة كهذه..ليقرِّر رجـال الشرطة من فرط يأسهم إلقـاء القبض على “جايسي” بتـُهمة أصغـر هي حيازة المـُخدرات.. ولم يعرفوا أنه في هذا الوقت قد اعترف لصديق وزميل له بالعمـل أنـه “بايست” بالفعـل، ولم يكتفِ بهذا فقط ؛ بل اعترف له بأنـه أكثـر من ثلاثين شخصـًا لأنهم كانوا يحاولون ابتزازه!

 

بعـد طول بحث وتحليل في الأشيـاء التي صادرتهـا الشـُرطة من منزل “جايسي”.. وجـد الخبـراء -أخيـرًا- دليلا يـُدينـه؛ أحـد الخواتم التي وجدوهـا بالمنزل والتي تنتمي لمـُراهق من المفقوديـن يـُدعى “جون سيزيك”.. ليقودهـم هذا لاكتشـاف اختفـاء ثلاثة آخرين من موظـّفي “جايسي” بشكل غامض.. وأيضـًا وجـد المحققون علاقـة أخرى في إيصـال استلام ال، حيث اكتشفت التحقيقـات أن الإيصـال ملـك لأحـد زملاء “بايست” وأن الأوّل قد أعطـاه للثاني ليلة اختفائه..وبانكشـاف تلك الأدلـّة، بدأ المحققون بالانتبـاه إلى ضخـامة القضيـة التي تنجلي أمـامهم..

 

ولم يطل الوقت حتى عـاد الخبـراء لتفتيش منـزل “جايسي” ثانيـةً، وفي تلك الآونـة اعترف “جايسي” بقتـل “شخصٍ مـا” لكنـه أدّعى أن الأمـر كان دفاعـًا عن النفس، وأنـه دفن الجثـة أسفـل جراج بيتـه، ثم حدِّد لهم مكان الدفـن.. لكن الشرطة لم تبدأ بالحفـر وقتهـا، لأنهـم كانوا ينتظرون نتائـج البحث المـُفصـَّل بالبدروم ذي الرائحـة الكريهـة.. ولم يـَطـُل البحث حتى وجدوا بروزا غيـر طبيعي بأرضيـة البدروم، ليحفروا ويجدوا بقـايـا الجثـة الأولى..

 

وفي تلك الليلة، تم استدعـاء الباحث الطبيّ د.”روبرت شتاين” للمـُساعدة في التحقيق.. والذي فور وصولـه اشتـَمَّ رائحـة مـألوفـة لديـه، رائحـة المـوت! ليبدأ “شتاين” بتنظيم البحث عن طريق تقسيـم المناطق كباحثي الآثـار.. حيث كان يعلم بطبيعة تخصصه أن التنقيـب عن الجثث يحتـاج حرصـًا زائدًا للحفـاظ على سلامتهـا، وأيضـًا لعدم إضاعـة الأدلـة في مسرح الجريمـة.. ليستمرّ التنقيب والبحث تحت منـزل السفـّاح تحت إشراف د. “شتاين”.

 

اعترف “جايسي” بجرائمـه في يوم الجمعـة ٢٢ ديسمبـر ١٩٧٨ بالتفصيـل؛ وأنـه قتـل أكثـر من ثلاثيـن شخصـًا ودفن جثثهـم تحت بدروم منزلـه.. وجاء بعـد ذلك في Killer Clown The John Wayne Gacy Murders بقلم كـُلا من “تيري سوليفان” و”بيتر مايكن” أن “جايسي” قد ارتكب جريمتـه الأولى في ينايـر عام ١٩٧٢، والثانيـة في ينايـر عام ١٩٧٤ بعـد حوالي عـام والنصف من زواجـه..واعترف “جايسي” أيضـًا بأنـه كان يغوي ضحاياه لتقييدهم بالأغلال ثـم يبدأ باغتصابهم بعدهـا.. وأنـه كان يكتم أصوات المـُراهقيـن بوضع خرقة من الملابس الداخليـة في أفواههـم، ثـم يهـم في النهـايـة عن طريق الخنق أو بدفـع لوح من الخشب في حنـاجرهـم..

 

واعترف أيضـًا بأنـه كان يـُبقي الجثث أحيانـًا تحت سريره لساعـات قبـل دفنهـم في بدروم المنـزل..وفي أول يوم للحفـر وجدت الشرطة جثتين فحسب، إحداهما لـ”جون باتكوفيتش” أسفـل الجراج والأخرى في البدروم..وبمرور الأيـّام بدأ عدد الجثث في الزيـادة باطراد، بعضهم لا تزال ملابسهم الداخليـة مدسوسة داخل حناجرهم، والبعض الآخـر مدفون جـوار بعضه ليشك المحققون أنهم وا في نفس الوقت تقريبـًا، وأكـَّد ذلك شهـادة “جايسي” بأنـه كان أحيانـًا يقتـل أكثـر من شخص في المرة الواحـدة، لكن السبب الحقيقيّ الذي عـُرِف بعدهـا لدفن بعض الجثث متجاورة هو توفيـر المساحـة فقط لا غيـر!

 

وفي الثامن والعشرين من ديسمبـر، وصل عدد الجثث التي أخرجهـا رجـال الشرطة من أسفـل منزل “جايسي” إلى سبع وعشرين جثـة.. ولم يكـُن هؤلاء كل الضحايـا..لكن الباقين وُجـِدوا بأماكن أخرى غيـر البدروم بعدهـا بأسابيـع قليلـة.. حيث وجدت جثة “فرانك واين لاندينجن” في نهـر (دي بلاينز) بولايـة (إلينوي) قبلهـا، ولم تكن الشرطة على درايـة بفظائع “جايسي” بعـد، لكن الربط قد تـم بعد العثـور على رخصة قيـادة “واين” بمنزل السفــّاح ويـُضاف الأخيـر لقائمـة ضحايـا “جايسي”.. ولم يكن “واين” هو الوحيـد الذي عـُثـِرت على جثتـه في النهـر، حيث وُجـِدَ “فرانك مازارا” الشهيـر بـ “موجو” ميتــًا بنفس المكـان بذات الحـالة التي يترك بهـا “جايسي” ضحايـاه.. ليصبح تعـداد “موجو” هو التاسـع والعشرين، لكنـه ليس الأخيـر..

 

وقد أخبـر “جايسي” المـُحققين فيمـا بعـد بسبب رميـه للضحايا في النهـر، مـُتعللاً بضيق المساحـة أسفل البدروم، ولأن ظهره كان يؤلمـه مـِمـّا صعـَّب عمليـة حفـر القبـور عليـه!لم تنتـهِ الشـُرطة من التنقيب بمنزل (جايسي) حتى نهايـة فبرايـر من العـام ١٩٧٩.. حيث استغرق البحث مـُدّة أطول مـِمـّا يتوقعون، نظرًا لسوء الأحـوال الجويـة وبطء إجراءات الروتين.. وبهذا الوقت بدا وكأنهـم أخرجوا كل الجثث، لكنهم آمنـوا بأن الأمـر لم ينتـهِ بعـد.. وكانوا على حـق..

 

حيث ظهر للنور اكتشاف مـُرعـِب آخـر أثنـاء تكسيـر العـُمـّال للخرسانـة بفنـاء منزل (جايسي)؛ جثـة بحـالة جيدة ساعـد الأسمنت على حـِفظهـا لرجـل يرتدي بنطال “جينز” قصيـر وفي أحـد أصابع يده اليـُسرى خاتم زواج.. وهنـا أدرك المحققون أن ضحايا (جايسي) لم تقتصـر على المـُراهقين والشواذ جنسيـًا فحسب، بل شملت أيضـًا الرجـال المتزوجيـن! ليؤكـَّد هذا الاعتقـاد بعدهـا بأسبوع عنـد اكتشـاف جثة أخرى لرجـل آخـر..ثـم اكتـُشـِفـَت الجثة الحاديـة والثلاثون في نهـر (إلينوي).. ليكتشف المحققون هويتهـا عن طريق وشـم على ذراعهـا، حيث تعرَّف على الضحية أحـد أصدقـاء والده برؤيـة الوشـم بإحـدى الجرائـد التي نشرت خبـر انتشـال الجثـة، ويصبح للجثة المجهولة اسم: (تيموثي أوروك).. ويـُرجـَّح أن (جايسي) قـد قابـله بأحد البارات المـُخصصة للشواذ في (نيـو تاون)..

 

وفي نفس وقت انتشال (أوروك) وجـد رجال الشرطة جثة أخرى تحت غرفة الألعـاب بمنزل (جايسي).. لتقلب بعدهـا الشرطة هذا المنـزل حطامـًا للبحث عن ضحايا آخرين.. لكن على الرغم من هذا لـم يجـد أحدًا جثـة (بايست) هنـاك حتى شهـر إبريل ١٩٧٩، حيث وُجـِدَت بقـاياه بقـاع نهـر (إلينوي)، حيث كانت عالقـة بشئ مـا في القـاع مـِمـّا صعـَّب العثـور عليهـا.. وأكـَّد تقرير الطبيب الشرعيّ بعدهـا أن سبب وفـاته هو الاختنـاق بمنـاديل ورقيـة تم حشرهـا في حنجرتـه.. وبعدهـا رفعت عائلـة (بايست) قضيـة بخمسة وثمانين مليون دولار ضد (جايسي) تعويضـًا عن ـه البشع لابنهـم..واستمرَّت تحقيقـات الشرطـة في البحث عن سجلاّت الضحايا ومقارنتهـا للتعرُّف على الجثث التي وجدوهـا بمنزل (جايسي)، ليتعرّفوا على جميعهم ما عدا تسع ضحايا..

 

ومـع انتهـاء البحث عن جثث ضحايـا (جايسي)، بدأت المـُحاكمـة..

بدأت المـُحاكمـة يوم الثلاثـاء المـُوافـِق للسادس من فبرايـر عـام ١٩٨٠ بمـُجمـَّع محاكـِم (كوك كنتري) في (شيكاجـو) بولايـة (إلينوي)..تكوَّنـت هيئة المـُحلـّفين من خمس نسـاء وسبعة رجـال، أنصتوا جيـدًا لـ (بوب إيجـان) مـُمثـِّل وهو يتكلم عن حياة (روبرت بايست) وطريقة موتـه الشنيعـة ومسئولية (جايسي) عن مـه مـع اثنين وثلاثين شابـًا آخرين.. وأخبـرهـم (إيجـان) بتفاصيـل اكتشـاف الجثث في منـزل (جايسي) وكيف أنـه ارتكب جرائمـه مـُتعمـدًا وهو بكامـل قواه العقليـة..

 

ويأتي في (سوليفـان) و(مايكـن) “Killer Clown: The John Wayne Gacy Murders” بأن كلام (إيجـان) قـد أبهـر المـُحلـّفين وكل من حضروا المـُحاكمـة يومهـا، والذين يسمعون جميعـًا تفاصيـل جرائـم (جايسي) للمـرة الأولى..وتبـع خطاب (إيجـان) كلمة مـُحامي (جايسي) المـُمـَثــَّل للدفـاع عنـه (روبرت موتـا)، والذي عارض رأي (إيجـان) في مسألـة كون (جايسي) قد ارتكب جرائمه وهو بكامل قواه العقليـة، لاعبـًا بورقـة الجنون كمحـاولة لتخفيف الحـُكـم عليـه.. واصفـًا إيـاه بأنـه لم يكـُن مـُتحكمـًا في أفعـاله التي تبدو بعيدة تمامـًا عن العقـل لكل ذي عينين..

 

في القانـون الأمريكيّ، إن تم إثبـات الجنون في القاتـل بحالـة مـُشابهـة يتم إيداع المـُتهم مصحة عقليـة بدلاً من السجن أو الإعـدام، وفي بعض الحالات يتم إطلاق سراح المـُتهمين من المصحة إن ثبـت استقرار حالتهـم العقليـة بعدهـا وأهليتهم للعودة إلى المـُجتمع.. وهذا هو الخيـار الذي رأى فيه (موتـا) الأفضـل لموكلـه..ولم يـُفاجأ مـُمثلي الادعاء بمحاولـة (موتـا)، بل كانوا مـُستعدين لهـا وجاهزين بردود الأفعـال المـُناسبـة ضدهـا..

 

وعندمـا حان الوقت لسمـاع شهـادة الشهـود، كان أول شاهـد هو (ماركو باتكوفيتش) والد ضحية (جايسي) (جون باتكوفيتش).. وتلاه العديد من أقارب وجيران وأصدقـاء الضحايـا الذي بكى بعضهم على المنصة بحـُرقـة، وسرد البعض الآخـر تفاصيـل المرّات الأخيـرة التي ودَّعوا فيهـا أحبائهـم وأصدقاؤهـم من الضحايـا..وبعدهـا جاء دور شهـادة مـُستخدمي (جايسي) الذين نجوا من اعتداءاتـه الجنسيـّة وأسلوبـه العنيف في التعـامـُل.. ليشهدوا بأن تقلـُّباتـه المزاجيـة كانت تؤدي أحيانـًا لمحاولات خداعهم لتقييدهم بالأغلال الحديديـة.. وشهـد آخرون بأنـه تحرَّش بهـم أثنـاء ساعـات العمـل الرسميـّة.. لتستمر الشهـادات لأسابيـع تاليـة، بين أصدقـاء وأقارب (جايسي) وضبـّاط شرطة أسهموا في القبض عليه وعـُلمـاء نفـس أقرّوا بأنـه ارتكب جرائمـه في كامـل وعيـه..

 

وقبـل انتهـاء المـُحاكمـة، وصل عدد الشهـود الذي تـمَّ استدعاؤهـم إلى ستـّين شخصـًا! فوجئ جميـع الموجودين بالقـاعة في الرابع والعشرين من شهـر فبرايـر عندمـا نودي على اسم الشاهـد الأوّل الذي اختاره محامـو (جايسي): (جيفري رينجول)! والذي كان من المنطقيّ أن يشهـد في صفّ الادعاء.. وقد ذكـر (رينجول) واقعتـه بالتفصيل مع (جايسي) بعد ذلك في لـه ليذكـُر فيه أن ممثلي الادعاء آمنـوا بأن شهـادتـه سوف تـُفسـِد القضية، لذلك لم يختاروه..

 

لكنّ الحقيقـة هي أن ممثلـي الادعـاء قد فضـّلوا تأجيـل شهـادة (رينجول) لمـا بعـد الفحص الطبيّ، في الوقت الذي قابـله فيه محامي (جايسي) الآخـر (آرميرانتي) ليسأله عمـّا إذا كان يعتقد أن (جايسي) قـد ارتكب تلك الجرائم عن وعي أم جنون، ليجيبه (رينجول) بأنـه لا يؤمن بأن (جايسي) شخص عاقـل.. ليستغل (آرميرانتي) هذا الكلام ويطلب من (رينجول) تكراره على منصـة الشهـود أمـام القاضي..ولم تستمر شهـادة (رينجول) طويلاً، حيث انهـار في منتصف سرد وقائـع اغتصاب (جايسي) لـه.. ووصل انهياره النفسيّ لدرجـة أنـه تقيـّأ لساعتـه وانفجـر في بـُكـاء هيستيريّ استلزم إخراجـه من قاعـة المحكمـة بأكملهـا.. وجلس (جايسي) في قفص الاتهـام يراقب الحـُرّاس يخرجون (رينجول) من القـاعـة بلا أدنى تعبيـر على وجهـه..

 

وجاهـد (موتـا) و(آرميرانتي) بعدهـا لإثبـات جنون (جايسي)، حيث استدعيا أفراد أسرتـه لتشهد أمـه بتفاصيـل اعتداء أبيـه عليه ووصول الأمـر لإلهـاب ظهره بسوط جلديّ، وشهدت أختـه بأنهـا رأت أباهـا يسبـُّه بألفـاظ قذرة في مـُناسبـات عديـدة.. وشهـد آخرون بكرم وطيبة أخلاق (جايسي) معهـم، وحكوا كيف كان يـُساعد المـُحتاجين ويرسم الابتسـامة على شفاة المرضى في زيّ المـُهرِّج.. وشهدت (ليللي جريكسا) كيف كان (جايسي) جارًا رائعـًا دمث الخلق، لكنهـا رفضت اعتبـاره مجنونــًا، الشيء الذي يـُهدِّد بنسف قضيـة الدفـاع من أساسهـا! كمـا وصفتـه بأنـه “رجل عبقريّ”، مـِمّـا تعارض مع قصة الدفـاع بكون (جايسي) رجلاً مجنونـًا غيـر مسئول عن أفعـالـه..كمـا استدعى الدفـاع (توماس إليزيو)، وهو طبيب نفسيّ حظى بمقابلـة (جايسي) قبـل مـُحاكمتـه.. ووصفـه بالذكـاء الشديد، لكنـه على حـد قول (إليزيو) مـُصاب بانفصـام غيـر مـُستقـِر في شخصيتـه.. واتفق بعده الكثيـر من المـُختصين على إصابـة (جايسي) بالانفصـام، وبأنـه شخصية مـُعاديـة للمـُجتمعـات، وأن أعراض أمراضـه تلك تجعلـه غيـر قادر على إدراك تصرفـاتـه وأفعـاله الإجراميـّة، مـِمـّا يلغي مسئوليتـه عنهـا.. لتنتهي مرافعـة الدفـاع بعـد الأخـذ بآراء الأطبـاء المـُختصّين..

 

وبعـد انتهـاء المـُجادلات بين الادعـاء والدفـاع، انصرف أعضاء هيئة المـُحلـّفين للاجتمـاع في غرفـة مـُغلقـة لاتخـاذ القرار الذي سيـُحدِّد مصيـر (جايسي).. لتنتهي مـُهمة كل الأطراف بانتظـار النـُطق بالحـُكم، الذي لم يـُمـَهـَّد له إلاّ بعـد استدعـاء أكثـر من مائـة شاهـد على المنصة بحوالي خمسـة أسابيـع..استمرَّت المداولات بين أفراد هيئة المـُحلفين ساعتين فقط لا غيـر حتى خرجـوا للنـُطق بالحـُكم النهائيّ.. ليسود الصمت القـاعـة بأكملهـا وتنحبس الأنفاس انتظـارًا، ووقف جميع الحاضرين في توتـُّر على أطراف أصابعهم لسمـاع قرار المـُحلـِّفين..

 

حتى انكسـر الصمت داخـل القاعـة بصوت حاجب المحكمة وهو يقرأ الكلمـات التاليـة:

“قررنـا نحنُ هيئـة المـُحلـّفين، أن المـُتـَّهم (جون واين جايسي)… مـُذنـِب”.

كانت ليلة (جايسي) الأخيـرة هي ليلة العاشر من مايو عـام ١٩٩٤، حيث تنـاول وجبة الوداع والناس يحتشدون حـول سجن (ستيت فيل) في (كريست هيـل) بولايـة (إلينوي) في هيستيريـا انتظـارًا لتنفيذ حـُكم الإعـدام..وطبقــًا للتقاريـر، لم يـُبدِ (جايسي) أي ندم على أفعـاله قبل إعدامـه، حيث كانت آخر كلمة يتبادلهـا مع مـُحاميـه هي:“إعدامي لن يـُعيـد كل هؤلاء للحيـاة”.

وكانت آخـر كلماتـه في هذه الدنيـا سبـّة قذرة أطلقهـا بوجـه أحـد الحـُرّاس وهو يـُقـاد إلى غرفة الإعـدام..لتبدأ عمليـة الإعدام بالحـَقن بالسـم.. ولكن تتجمـَّد المادة الكيميائيـة في الأنبوب الموصـل بذراع (جايسي) لتمنـع السم من السريـان في عروقـه..ليتدارك المسئولون الخطأ ويبدلوا المـادة والأنبوب، لتأخذ العمليـة ثماني عشـرة دقيقـة رُفـِع بعدهـا الستـار وأعلـِن رسميـًا عن وفـاة (جون واين جايسي)..لتنطلق صيحـات الفرح من الجماهيـر المـُحتشـِدة خارج السجن، مـُعلـِنـة انتقـال سفــّاح روَّع الولايـات المـُتحدة بأسرهـا لأعوام طوال من عالمنـا إلى عالم آخـر نعلـم جيدًا أنـه سيلقى فيـه عقابـه العـادل..

Series Navigation << جرائم تاريخية – كريس كايل #14جرائم تاريخية – هنري هوارد هولمز #16 >>

اخبرنا برأيك ؟

100 نقاط
Upvote Downvote
محرر أول

كتبه عالم تاني

عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه.

عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

التعليقات

اترك تعليقاً

Loading…

0

التعليقات

0 التعليقات

‎‫الحرافيش‬‎ - ‎‫الحرافيش‬‎

‎‫الحرافيش‬‎

شخصيات صنعت التاريخ - الحجاج بن يوسف الثقفى #3 - شخصيات صنعت التاريخ &#8211; الحجاج بن يوسف الثقفى #3

شخصيات صنعت التاريخ – الحجاج بن يوسف الثقفى #3