" />

دولة الأسلام فى الأندلس – وسقطت طليطلة #43

ولم يتورع القادر على أن يسفك دماء أهل مملكته حينما قاوموا دخول العدو لبلدهم بل كان همه الأعظم هو العرش حتى ولو على رماح الغزاة، وعلى ذلك كان دخول ابن ذي النون لطليطلة في العام 574 من الهجرة.


- 14449727 1161533367245826 4955075786947107913 n 768x548 - دولة الأسلام فى الأندلس – وسقطت طليطلة #43
هذا المقال هو جزء 1 من 1 سلسلة دولة الأسلام فى الأندلس
  • دولة الأسلام فى الأندلس – وسقطت طليطلة #43

 دولة الاسلام في الأندلس
الحلقة الثالثة والأربعون: وسقطت طليطلة.
الطغاة يجلبون الغزاة .. وهذا ما حدث.

– ولتكن بدايتنا من حيث انتهينا في المرة السابقة، حيث دخل “القادر بن ذي النون” ملكاً على طليطلة من جديد ولكن بحراب ألفونسو السادس وتحت رايات الصليب المرفرفة فوق رأسه.
ولم يتورع القادر على أن يسفك دماء أهل مملكته حينما قاوموا دخول العدو لبلدهم بل كان همه الأعظم هو العرش حتى ولو على رماح الغزاة، وعلى ذلك كان دخول ابن ذي النون لطليطلة في العام 574 من الهجرة.
– وبالطبع لم يكن ألفونسو السادس ليفعل ذلك مجاملة للقادر بل كان همه أن يضرب أهل طليطلة ببعض حتى إذا نجا منهم فريق استطاع هو أن يأكله هيناً ليناً، وتحقيقاً لنفس السياسة كان اتفاقه على الهدنة مع المعتمد بن عباد ملك إشبيلية في سبيل أن يطلق للمعتمد اليد في الجنوب وتكون له اليد في الشمال ومن هنا كان السباق.


– وبالعودة لذكر المعتمد بن عباد ملك أكبر ممالك الطوائف فنجده كان في الانتظار على أحر من الجمر حتى يأتي إليه الوزير وصاحب العمر الخائن “أبو بكر بن عمار” الذي تجبر وشتم وسب بشعره ولي نعمته وصاحب الفضل عليه.
ودخل ابن عمار على سيده المعتمد متأسفاً وطامعاً في رحمة المعتمد وهو عليم برقة طباعه ولين قلبه، فبدأ يتوسل بشعر يجعل الجبال تلين، ويرسل القصيدة بعد القصيدة من السجن لمولاه المعتمد حتى رق له قلبه فوعده بفرج قريب وليكتم ذلك السر.
ولكن بما أن الطبع غالب فقد عادت نفس ابن عمار المغرورة فبعث من سجنه برسائل يتهدد ويتوعد فيها من سعى به عند المعتمد، وحينما وصل الخبر للمعتمد من وزيره أبو بكر بن زيدون- وهو ابن الشاعر الشهير- حتى كانت الغضبة العارمة من الملك فنهض إلى سجن ابن عمار بنفسه وأخذ يضربه بطبرزين – وهو آلة تشبه الفأس من الذهب كان قد أهداها له ملك قشتالة ألفونسو – حتى لم يترك ابن عمار إلا وهو جثة هامدة تنزف الدماء وكان ذلك الحادث الأليم الذي أظهر وجهاً آخر للمعتمد الرقيق الطبع في أواخر عام 477 من الهجرة.

– ولنترك إشبيلية والمعتمد وكل الأندلس ونعبر الضفة الأخرى في الزمان والمكان حيث نعود للمرابطين وأميرهم يوسف بن تاشفين.
فقد كان يوسف قد توسع في المغرب حتى أصبح المغرب له، ودخل طنجة ولم يتبق إلا القليل من المدن. ولكن هنا كان السؤال الحاسم.
– من هو حاكم دولة المرابطين المترامية في غرب إفريقيا والمغرب.. هل هو يوسف بن تاشفين أم أبو بكر بن عمر؟؟
والإجابة هي ما يخبرنا بها المؤرخ العظيم عبد الرحمن بن خلدون:
حيث أن أبا بكر بن عمر حينما انتهى من أمور الصحراء وفتح غانة والتوسع في غرب إفريقيا وبلاد السودان الأفارقة ونشر الإسلام بينهم، علم بأمر ابن عمه يوسف وما فتح من المغرب والعاصمة الكبرى للدولة المرابطية… مراكش.
على ذلك أراد أبو بكر قبل العام 464 من الهجرة العودة وحينما علم يوسف بذلك استشار زوجته “زينب النفزاوية” فأشارت عليه بأن يقابل أبا بكر بالترحاب نعم ولكن ببعض الاستعلاء حتى يشعر أن المُلك قد استقر ليوسف ويفهم فلا ينازعه فيه، وهو ما حدث حيث لم ينزل يوسف عن فرسه وأمر بالهدايا والخلع التي تعين أبا بكر على أمور الصحراء، وحينها فهم أبو بكر الرسالة فأعلن على الملأ تنازله ليوسف وعاد للصحراء وبلاد جنوب الغرب الإفريقي ينشر فيها الإسلام حتى مات في العام 480 من الهجرة.


– أما يوسف بن تاشفين فإنه حين استقر له المُلك فقد استمر في توسعاته حتى خضع المغرب الأقصى بالكامل له مع بلاد غرب إفريقيا، ومن ثم فقد بدأ يوسف الزحف إلى المغرب الأوسط –الجزائر حاليا- فدخل مدينة تلمسان ثم وهران شمال الجزائر واستمر حتى دخل مدينة تونس فكانت الدولة في عظيم اتساع شمل الشمال الإفريقي من تونس شرقاً والأطلنطي غرباً وسبتة شمالاً حتى السنغال ومالي جنوباً حاليا.
بدخول الأمير يوسف بن تاشفين لتونس في العام 474 من الهجرة كان قد بلغ الرابعة والسبعين من العمر، شيخ نعم ولكن بعزيمة أقوى من ألف شاب حتى أسس تلك الإمبراطورية الضخمة التي بدأت من مجرد فكرة لرجل ميت يدعى “عبد الله بن ياسين” اعتزل يوماً في جزيرة مع ثمانية من أصحابه.
– وبكبر الدولة وتحولها لإمبراطورية رأي شيوخ المرابطين أن على الأمير يوسف أن يتلقب بلقب الخلافة ولكن يوسف لم ير هذا وأعلن أنه في طاعة الخليفة العباسي في بغداد وارتضى لنفسه لقب أمير المسلمين وناصر الدين فتمت المراسيم بذلك وأضحى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين هو عاهل الدولة المرابطية العظيمة.


– والآن نذهب شمالاً حيث كشر ألفونسو السادس عن أنيابه:
فقد خرج ملك قشتالة على رأس جيشه الضخم ومعه بركات البابا ألكسندر الثاني بابا الفاتيكان التي أعطاها لملك قشتالة ليحارب باسم الصليب في جزيرة الأندلس، وخرج يقصد “طليطلة” ليس لغارة أو جزية بل لإسقاط المملكة ودخول المدينة وهي عاصمة أجداده القوط.
فبعد الحملات المتوالية على كافة المملكة لمدة أربعة سنوات منذ أعاد القادر على عرشها، كان ألفونسو قد استهلك أي طاقة للمقاومة في مملكة طليطلة بالكامل وأجهدها أشد الإجهاد ولم يكن يمنعه عن اتخاذ الخطوة في تلك السنين إلا مقاومة “المتوكل بن الأفطس” ملك بطليوس الذي كان ينجد طليطلة المرة بعد المرة.


وفي العام 477 من الهجرة الموافق 1084م كان جيش ألفونسو يسحق طليطلة تحت الحصار ولا يجدي معه نفعاً وقد ارتعب ملوك الطوائف من مواجهة ألفونسو، وحتى حينما حرض المتوكل بن الأفطس ملك بطليوس الفقيه العلامة “أبو الوليد الباجي” ليكون سفيراً لملوك الطوائف، إلا أنه لم يجد رداً فهم إما خائف من ألفونسو كابن زيري ملك غرناطة، أو كالمعتمد كان ينهب الوقت ليأخذ ما تبقى من أراضي طليطلة الجنوبية وهو يظن أن الوقت معه لينقذ طليطلة ولكن هيهات.

– واشتد الحصار، وحاول أهل طليطلة المدافعة ما وسعهم ثم حاولوا التفاوض مع ألفونسو ليرجع مهددين إياه بعون ملوك الطوائف لهم، فإذا بألفونسو يأخذ الوفد ليريهم خيمة سفراء ملوك الطوائف التي أتت لتخطب وده ووقت الحصار فكانت الكارثة عليهم وانهارت كافة معنوياتهم، وأصبح التسليم قيد الوقت فقط.
– وأخيراً بعد تسعة أشهر شديدة من الحصار انقطاع النصرة والأمل فتحت طليطلة أبوابها للرومي ودخل ألفونسو عاصمة القوط القديمة بعد أربعمائة عام من الفتح على يد طارق بن زياد،
فكأن السماء تغلي بالغضب والقبور في الأرض توشك أن تتشقق فيخرج منها عبد الرحمن الداخل، والخليفة الناصر، والمنصور بن أبي عامر يلعنون أحفاداً ضيعوا وفرطوا، وتخاذلوا وتنافروا، ثم أباحوا أرضهم وعرضهم للرومي فدخل بلادهم ووطء أرضهم ثم استفتح أمنع بلدانهم فكانت النكبة. – وفي هذا يصف لنا ابن بسام خروج القادر بن ذي النون من طليطلة مهزوما مدحوراً فيقول:
“وخرج ابن ذي النون خائبًا مما تمنَّاه، شرقًا بعقبى ما جناهُ، والأرض تَضِجُّ من مُقامه، وتستأذنُ في انتقامه، والسماء تودُّ لو لم تُطْلِعْ نَجْمًا إلاَّ كدَرَتْهُ عليه حَتْفًا مبيدًا، ولم تُنْشِئ عارضًا إلا مَطَرَتْهُ عذابًا فيه شديدًا”
ويصف لنا الوزير والمؤرخ لسان الدين بن الخطيب المأساة فيقول:
“واقتضاه الطاغيةُ الوَعْد، وسلبه الله النصر والسعد، وهلكت الذمم، واستُؤصلت الرِّمَم، ونُفِّذ عقابُ الله في أهلها جاحدي الحقوق، ومُتَعَوِّدي العقوق، ومُقيمي أسواق الشقاق والنفاق، والمَثَل السائر في الآفاق”
– وهنا لابد أن ونتذكر ونعيد قول ابن خلدون: “الطغاة يجلبون الغزاة”

– طار الخبر فطاف بالعالم أجمع، قد علمته الأندلس وملوك الطوائف، وعلمه البابا في روما، وعلمه ملوك فرنسا وألمانيا، وضجت به مصر والشام والعراق، ووقع كالصاعقة على يوسف بن تاشفين في المغرب، وبدا أن الحروب الصليبية قد بدأت ورايات الصليب على أبراج طليطلة ومسجدها الجامع الذي تحول إلى كنيسة غصباً وقهراً ونكثا للعهود وفي هذا يقول المؤرخ ابن الأثير في كلامه عن بدايات الحروب الصليبية في الشرق:
” كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس”
– وكانت النتيجة للزلزال المرعب هي رغبة ألفونسو العارمة في إخراج المسلمين كلهم من أرض أجدادهم والاستيلاء على كافة ممالك الأندلس، وانتشر الفزع بين الناس أن الرومي سيأخذ الأرض كلها ولن يستطيع أحد من ملوك الطوائف حتى أكبرهم المعتمد بن عباد على رده حتى قال الشاعر المشهور ابن العسال ناطقاً عن شعور العامة ويطالب الناس بالرحيل إلى الأبد من الأندلس فكانت الأبيات القاسية:
يا أهل أندلس حثوا مطيكم … فما المقام بها إلا من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى … ثوب الجزيرة منسولا من الوسط
– فالثوب بدأ ينقص من الأطراف وهم صامتون حتى سقطت واسطة الجزيرة وأكبر البلاد ومفتتح الحدود فهي النكبة إذاً والإذن بالرحيل.


– وأما ملوك الطوائف فكانت الصفعة عليهم أنكى وأشد، وعلم المعتمد بن عباد أن أحلامه في سباق الرهان وتوحيد الأندلس انتهت، وعلم المتوكل بن الأفطس أن المقاومة جيدة ولكنها لا تنفع وأنت وحدك، وعلم الباقون أن مصيرهم هو مصير طليطلة إن كانت المملكة الكبرى لم تستطع الدفاع عن نفسها.
– وأما ألفونسو السادس فهو الآن أعظم ملوك قشتالة وصاحب الفتح المهيب، ومن أسقط عاصمة الأندلس الأولى ومجمع أمر كلمتهم والسد المنيع أمام غارات النصرانية منذ أيام الخلافة وما قبلها، فأول ما بدأ أن جعلها عاصمته، ثم بدأ يفكر جيداً في أمر الطوائف.
فهو الآن المنتصر ولن يقدر أحد منهم على رده وصور له غروره أنه قادر على سحقهم والتهامهم واحداً بعد واحد، فبدأ بأقواهم وعميدهم المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية فهو لم ينس أبداً أن المعتمد في السابق قبل سقوط طليطلة قد قتل رسوله إليه ومنع أداء الضريبة، والقصة كانت كالتالي:
حينما أتى رسول ألفونسو للمعتمد كالعادة ليأخذ الجزية تبجح وأساء الأدب وادعى أن الذهب من عيار ردئ وأنه لن يأخذه فكانت غضبة المعتمد عاتية فأمر به فقتل وصُلب على باب المدينة ولم يرسل الجزية وبعث لألفونسو يطلب منه حصن المدور قرب قرطبة مقابل بقية رجاله ففعل.
وحينما حاصر ألفونسو إشبيلية بجيشه لم ييأس المعتمد، حتى حينما بعث له ألفونسو برسالة أن الحر شديد وقد اشتد علي الذباب فابعث لي بمروحة من عندك، وذلك من باب التهكم فإذا بالمعتمد يهدده فيقول
“وصلني كتابك وفهمت خيلاءك ولسوف أبعث إليك بمروحة من الجلود اللمطية في أيدي الجيوش المرابطية، تروح منك لا تروح عليك إن شاء الله”.
وكان هذا أول تهديد من المعتمد باستدعاء المرابطين إلى الأندلس ليقلب بهم ميزان القوى، وكانت النتيجة هي رجوع ألفونسو خوفاً من تهديد قد يحصل وهو غير مستعد.
– أما الآن فهو قوي وأصبح الإمبراطور ملك الملتين – المسيحية والإسلام – كما أصبح لقبه منذ دخل طليطلة فهو الآن سيبعث بمن يذل المعتمد بن عباد في عقر داره وبرسالة مهينة، فأرسل الكونت ألبيرهانس لبلاط إشبيلية كي يكون رقيباً على المعتمد ويراجع كافة قراراته باعتباره ممثلا للملك ألفونسو ملك الملتين!، فكانت الرسالة الوقحة إلى المعتمد بن عباد:
“من الامبراطور ذي الملتين، الملك المفضل الأذفتش بن شانجة، إلى المعتمد بالله سدد الله آراءه، وبصره مقاصد الرشاد.
سلام عليك….. قد أبصرتم ما نزل بطليطلة وأقطارها، وما سار بأهلها حين حصارها، فأسلمتم إخوانكم، وعطلتم بالدعة زمانكم، والحذر من أيقظ باله، قبل الوقوع في حباله،
ولولا عهد سلف بيننا نحفظ ذمامه، ونسعى بنور الوفاء أمامه، لنهض بنا نحوكم ناهض العزم ورائده، ووصل رسول الغزو ووارده، لكن الإنذار يقطع الأعذار، وقد حملنا الرسالة إليكم القرمط البرهانس، وعنده من التسديد الذي يلقى به أمثالك، والعقل الذي يدبر به بلادك ورجالك، مما استنابته فيما يدق ويجل، وفيما يصلح لا فيما يخل، وأنت عندما تأتيه من آرائك، والنظر بعد هذا من ورائك، والسلام عليك يسعى بيمينك وبين يديك”
– فكان وقعها أشد من الصواعق على المعتمد وعرف أن هذا الرجل لن يردعه شيء وأن أوان التخاذل قد فات، واليوم يرسل ألفونسو الرقيب وغدا تأتي الجيوش، وأيقن المعتمد أن الأفعال هي ما تبين الرجال فكان الرد الأعنف من المعتمد على ألفونسو بنفس اللهجة العنيفة القوية كالصفعة فكتب يقول:
“من الملك المنصور بفضل الله المعتمد على الله إلى الطاغية الباغية أذفنش بن شانجة الذي لقب نفسه بملك الملوك وسماها بذي الملتين قطع الله بدعواه.
سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنه أول ما يبدأ به من دعواه أنه ذو الملتين والمسلمون أحق بهذا الاسم لأن الذي تملكوه من أمصار البلاد. وعظيم الاستعداد. ومجبى المملكة لا تبلغه قدرتكم. ولا تعرفه ملتكم. وإنما كانت سنة سعد أيقظ منها مناديك. وأغفل عن النظر السديد جميل مباديك. فركبنا مركب عجز نسخه الكيس. وعاطيناك كؤوس دعة قلت في اثنائها ليس.


ثم استمر في التقريع لألفونسو وتذكيره بغروره وفخره فقال:
“ولم تستحي أن تأمر بتسليم البلاد لرجالك. وإنا لنعجب من استعجالك، برأي لم تحكم أنحاؤه. ولا حسن انتحاؤه. وإعجابك بصنع وافقتك فيه الأقدار، واغتررت بنفسك أسوأ الاغترار.”
وأعلن المعتمد عن المقاومة والتعبئة فاستمر يقول:
“وتعلم أنا في العدد والعديد. والنظر السديد. ولدينا من كماة الفرسان. وحيل الإنسان. وحماة الشجعان. يوم يلتقي الجمعان. رجال تدرعوا الصبر. وكرهوا القبر. تسيل نفوسهم على حد الشفار. وينعاهم المنام في القفار. يديرون رحى المنون بحركات العزائم. ويشفون من خبط الجنون بخواتم العزائم. وقد أعدوا لك ولقومك جلادا رتبه الاتفاق. وشفارا حدادا شحذها الأصفاق. وقد يأتي المحبوب من المكروه. والندم من عجلة الشروه. نبهت من غفلة طال زمانها. وأيقظت من نومة تجدد إيمانها”
ثم بدأ يذكر ألفونسو بتخاذل أجداده وهزائمهم أمام الخلفاء والمنصور وندمه على الهدنة معه فقال:
“ومتى كانت لأسلافك الأقدمين مع أسلافنا الأكرمين يد صاعدة. أو وقفة متساعدة، إلا ذل تعلم مقداره، وتتحقق مثاره، والذي جرأك على طلب ما لا تدركه قوم كالحمر
(لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر)،
ظنوا المعاقل والدول لا تنتقل، وكان بيننا وبينك من المسالمة، ما أوجب القعود عن نصرتهم، وتدبير أمرهم، ونسأل الله سبحانه المغفرة فيما أتيناه في أنفسنا وفيهم، ومن ترك الحزم، وإسلامهم لأعاديهم، والحمد لله الذي جعل عقوبتنا توبيخك وتقريعك كالموت دونه، والسلام على من علم الحق فاتبعه، واجتنب الباطل وخدعه”

– وكان ذلك الرد العنيف من ملك إشبيلية على ألفونسو وتذكيره بما حدث في الزمان الغابر على يد الداخل والمنصور بن أبي عامر كالقنبلة الغير متوقعة بالمرة، وقعت على رأس ألفونسو فاهتز، ثم بدأ يجرب مع ملك آخر وهو المتوكل على الله بن الأفطس ملك بطليوس فبعث له برسالة عنيفة كسابقتها للمعتمد فإذا بابن الأفطس يرد كما رد المعتمد قائلاً:
“وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدع في المقادير وأحكام العزيز القدير يرعد ويبرق ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنوداً أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد، أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون، بالتقوى يعرفون، وبالتوبة يتضرعون،
ولئن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين،”
وبدأ المتوكل ببيان الأسباب وتذكير ألفونسو بما فات فقال:
“أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة.. ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدي جدك أحد بناته إليه،”
ثم كان إعلان الحرب والمقاومة وأنه ليس من نقاش إلا السيف فاستمر في القول:
“أما نحن إن قلت أعدادنا وعدم من المخلوقين استمدادنا فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروده، ليس بيننا وبينك إلا السيوف تشهد بحدها رقاب قومك وجلاد تبصره في ليلك ونهارك وبالله وملائكته المسومين نتقوى عليك ونستعين ليس لنا سوي الله مطلب ولا لنا إلى غيره مهرب وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعدد”

– على ذلك أوشك ألفونسو على الجنون من تلك الردود من جبناء الأمس، من كانوا يسوقون له الجزية ويقدمون له الطاعة، فكأن سقوط طليطلة لم يرهبهم بل جعلهم أكثر شجاعة وعاقدي العزم على الاستماتة في مواجهته، وبدا بذلك أنه لن يكون إمبراطور الملتين بهذه السهولة.
– على الجانب الآخر كان ملوك الطوائف يعلمون تمام العلم ما تعني ردودهم على ألفونسو، وأن ذلك الوحش الكاسر لن يتركهم أبداً، فكان لابد من الاجتماع والتشاور بين الاخوة بعد طول الحروب.
– بهذا كان المؤتمر العام الأول في “قرطبة” عاصمة الخلافة القديمة وفي جامعها الأعظم حيث طالما تقررت مصائر الأندلس، ووفد للمؤتمر كافة الملوك والأمراء لكل الممالك الأندلسية الكبيرة والصغيرة، وكذلك الشيوخ والفقهاء، وكان رئيس المؤتمر وعميده أكبر ملوكهم وأعظمهم وصاحب قرطبة “محمد المعتمد بن عباد”.
وهناك أعلن المعتمد رأيه الخالص أن الاستنجاد بالمرابطين وأميرهم الأكبر يوسف بن تاشفين لعبور البحر من المغرب إلى الأندلس ليساعدهم في حرب ألفونسو، ذلك هو الحل الوحيد.
ووافق المعتمد في ذلك “بلقين بن زيري” أمير غرناطة، وكذلك “عمر المتوكل على الله بن الأفطس” ملك بطليوس، وبالتالي لم يكن لمن تبقى من الإمارات الصغيرة الاعتراض.
– ولكن كانت المعارضة لذلك من ابن المعتمد نفسه، “الرشيد” وكذلك بعض كبار إشبيلية خوفاً من أن يتسلط المغاربة على الأندلس بعد هزيمة ألفونسو، وهنا نتوقف وننظر ونتأمل،
– فالحق كلمة، والباطل كلمة، والأفعال نتيجة الكلمة، وكم من حروب قامت بكلمة، والكفر كلمة، وكذلك الإيمان كلمة، والكون كله قد خُلق بكلمة وهنا أدرك الملك المعتمد بن عباد أن الموقف كلمة، وهو ما ينقل الرجل من خانة التفرق إلى صاحب مصلحة الأمة ولو على نفسه فكانت كلمة المعتمد التي خلدها التاريخ في سطوره لتُقرأ على كل الدنيا شاهدة على الموقف والكلمة:
” أي بني، لأن أرعى الابل لابن تاشفين في الصحراء، خير لي من أن أرعى الخنازير لألفونسو، ولا تقوم اللعنة علي أني أعدت الأندلس ديار كفر ولا تركتها للنصارى بعدما أضحت ديار إيمان وإسلام”.
– فكان ذلك هو القول الفصل والاستعداد والتضحية بالملك بالكامل تكفيراً عما سبق وحماية للأمة، وكانت النتيجة هي كتابة الرسالة في المؤتمر من إنشاء المعتمد بن عباد نفسه تدعو أمير المسلمين وناصر الدين وصاحب دولة المرابطين “يوسف بن تاشفين”، على عجل وتسأله النصرة لحماية ما تبقى وضبط الميزان المختل، والوقوف أمام ذلك الوحش الكاسر ألفونسو السادس، فهل من مجيب؟؟

فهل تصل السفارة إلى الأمير يوسف؟؟
وما هو رد فعل عاهل المرابطين؟؟
وهل يسكت ألفونسو عن ذلك؟؟
وما هي تضحيات المعتمد الجديدة؟؟
وكيف يكون بلاء المعتمد وصبره الأعظم؟؟
وما هي الخطة العبقرية؟؟
وكيف تكون التعبئة من كافة أوروبا للحرب العظمى في الأندلس؟؟
وهل يكون النصر والأمل؟؟

بقلم Ahmed Sabry

عالم تاني
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شاهد ايضا

المزيد من: تاريخ

لا تنسي زيارة

اختر نوع المقال
اختبارات الشخصية
مجموعة من الاسئلة التى تكشف جوانب الشخصية
فوازير واحاجى
مجموعة من الاسئلة لاختبار الذكاء والثقافة والمعلومات
تصويت
تصويت على موضوع معين
موضوع
موضوع او قصة او رواية
قائمة
قائمة
عد تنازلي
The Classic Internet Countdowns
قائمة مفتوحة
اضف موضوعك وقم بالتصويت على افضل موضوع
قائمة مرتبة
Upvote or downvote to decide the best list item
كومكس
ارفع صورك الخاصة لأنشاء كوميكس
فيديو
رفع فيديوهات من اليوتيوب او فيميو او من سطح المكتب
مقطع صوتى
رفع صوتيات من Soundcloud او Mixcloud
صورة
رفع صور تعبر عن موضوع معين
صورة متحركة
رفع صور متحركة
شكرا للمشاركة