" />

هبة سليم عامر و المقدم فاروق عبدالحميد الفقي – عملاء الموساد#6

1 min


186
1.3k shares, 186 points
- هبة سليم عامر و المقدم فاروق عبدالحميد الفقي – عملاء الموساد#6
هذا المقال هو جزء 6 من 16 سلسلة عملاء الموساد

ولدت هبه و ترعرعت في حي المهندسين الراقي لأسره ميسوره الحال ، كان والدها يعمل وكيلاً لوزارة التربيه و التعليم ، نشاءت مرفهه و مدللة ، لم تكن هبة قد تجاوزت العشرين من عمرها حينما وقعت نكسة ١٩٦٧ إلا انها لم تعر الأمر اهتماماً فكانت منخرطة في عالم اخر في وسط شبابي يماثلها الظروف غير عابئ لما يدور حوله ، كانت تحمل كارنيه عضوية في نادي “الجزيرة” – أشهر نوادي القاهرة – لا يشغلها هي و رفاقها سوى أحاديث الموضة و المغامرات ، عقب حصولها على شهادة الثانوية العامة في عام ١٩٦٨ ألحت على والدها في السفر إلى باريس لإكمال تعليمها الجامعي فالغالبية العظمى من شباب النادي أبناء الطبقه الأرستقراطية لا يدخلون الجامعات المصرية و يفضلون جامعات أوروبا المتحضرة و أمام ضغوط الفتاة وافق الأب علي مضض .

في باريس لم تنبهر الفتاة كثيراً فالحرية المطلقة التي اعتادتها في مصر كانت مقدمة ممتازة للحياة و التحرر في عاصمة النور. و لأنها درست الفرنسية منذ طفولتها فقد كان من السهل عليها أيضاً أن تتأقلم بسرعة مع هذا الخليط العجيب من البشر.
ففي الجامعة كانت تختلف كل الصور عما ترسب بمخيلتها إنها الحرية بمعناها الحقيقي، الحرية في القول والتعبير و في اختيار المواد الدراسية بل وفي مواعيد الامتحان أيضاً، فضلاً عن حرية العلاقة بين الجنسين التي عادة لا تقتصر على الحياة الجامعية فحسب بل تمتد خارجها في شمولية ممتزجة باندفاع الشباب و الاحتفاء بالحياة.

جمعتها مدرجات الجامعة بفتاة يهودية من أصول بولندية دعتها ذات يوم لسهرة بمنزلها و هناك التقت بلفيف من الشباب اليهود الذي تعجب لكونها مصرية جريئة لا تلتفت الى الخلف و تنطلق في شراهة تمتص رحيق الحرية و لا تهتم بحالة الحرب التي تخيم على بلدها و تهيمن على الحياة بها.

لقد أعلنت صراحة في شقة البولندية أنها تكره الحرب و تتمنى لو أن السلام عم المنطقة و في زيارة أخرى أطلعتها زميلتها على فيلم يصور الحياة الاجتماعية في إسرائيل و أسلوب الحياة في “الكيبوتز” وأخذت تصف لها كيف أنهم ليسوا وحوشاً آدمية كما يصورهم الإعلام العربي بل هم أناس على درجة عالية من التحضر والديموقراطية.

وعلى مدار لقاءات طويلة مع الشباب اليهودي و الامتزاج بهم بدعوى الحرية التي تشمل الفكر و السلوك استطاعت هبة أن تستخلص عدة نتائج تشكلت لديها كحقائق ثابتة لا تقبل السخرية أهم هذه النتائج هي أن إسرائيل قوية جداً و أن أمريكا لن تسمح بهزيمة إسرائيل مطلقاً بالسلاح الشرقي لأن ذلك يعد هزيمة للكيان الامريكي نفسه .

آمنت هبة أيضاً بأن العرب يتكلمون أكثر مما يفعلون و قادتها تلك النتائج الى حقد دفين على العرب الذين لا يريدون استغلال فرصة وجود إسرائيل بينهم ليتعلموا كيفية اختزال الشعارات الى فعل حقيقي و نبذ نظم الحكم التي تقوم على ديموقراطية كاذبة و عبادة للحاكم.
في شقه صديقتها التقت هبة ضابط الموساد -الذي كان له الدور الرئيسي في تجهيزها كعميل للموساد – الذي أوهمها باستحالة أن ينتصر العرب على إسرائيل و هم على خلاف دائم و تمزق خطير في حين تتلقى إسرائيل الدعم اللازم في جميع المجالات من أوروبا وأ مريكا.
هكذا تجمعت لديها رؤية أيديولوجية تشكلت بمقتضاها اعتقاداتها التي قذفت بها الى عالم الجاسوسيه . كانت هذه الأفكار و المعتقدات التي اقتنعت بها الفتاة سبباً رئيسياً لتجنيدها للعمل لصالح الموساد دون إغراءات مادية أو عاطفية أثرت فيها، فهي فتاه متعلمه مثقفه جميله و ذكيه من أسره ميسوره الحال ، كانت هبه علي ثقة أكيدة في قدرة إسرائيل على حماية “أصدقائها” و إنقاذهم من أي خطر يتعرضون له في أي مكان في العالم.

هكذا عاشت الفتاة أحلام الوهم و البطولة، وأرادت أن تقدم خدماتها لإسرائيل طواعية ولكن.. كيف؟
تذكرت هبه المقدم فاروق الفقي الذي كان يطاردها في نادي الجزيرة و لا يكف عن تحين الفرصة للانفراد بها وإظهار إعجابه الشديد و رغبته الملحة في الارتباط بها.
روت هبة لضابط الموساد الإسرائيلي عن المقدم مهندس فاروق عبدالحميد الفقي الضابط في الجيش المصري و مطارداته الساذجة لها في أروقة النادي التي ملتها كثيراً و كادت يوماً ما أن تنفجر فيه غيظاً في الهاتف و هو يرجوها أن تشعر بما يكنه لها من مشاعر و لكنها صدته بقسوه و عنف. تذكرت هبة هذا الضابط الولهان، و تذكرت وظيفته الهامة في مكان حساس في القوات المسلحة المصرية.
كاد الضابط الإسرائيلي يطير من الفرح بذلك الصيد الثمين و قد تغيرت الخطة فبدلاً من أن ينحصر دور هبة في اللعب بأدمغة الطلاب العرب الذين يدرسون في الجامعات الفرنسية المختلفة بات من الممكن أن تلعب دورا أكبر و أهم، و لم تمر سوى أيام معدودات حتى رسم لها خطة لاصطياد فاروق و تجنيده بأي ثمن حتى لو كان هذا الثمن هو خطبتها له.

في أول أجازة لها بمصر كانت مهمتها الأساسية تنحصر في تجنيد فاروق و راحت تتردد على نادي الجزيرة مجددا، وتسأل صديقاتها الذين تعجبوا كثيرا لآرائها المتغيره للغاية تجاه فاروق الذي ظهر بعد فترة قليلة غير مصدق أن الفتاة التي طالما تمناها لنفسه تبحث عنه.

و تمت الخطبه و فرح الضابط العاشق بعروسه الرائعة التي فاز بها أخيراً، و بدأت تدريجياً تسأله عن بعض المعلومات و الأسرار الحربية و كان فاروق دائم التغيب لفترات، فكانت تلك الفترات فرصة لشجار مفتعل تمكنت من خلاله هبة أن تحصل على بعض المعلومات الأولية عن طبيعة عمل خطيبها العاشق و كانت المفاجأة التي لم تتوقعها أنه يخرج في مهمات عسكرية على جبهة القتال لتنفيذ مواقع جديدة لصواريخ حصلت عليها مصر سراً من روسيا، كان فاروق يشعر أمام ثقافة هبة الفرنسية الرفيعة ووجهات نظرها شديدة التحرر بنقص شديد، راح يعوضه بالتباهي أمامها بأهميته ويتكلم في أدق الأسرار العسكرية، وهبة من جانبها تسخر مما يقول حتى كانت المفاجأة التي لم تتوقعها ذات يوم، عندما دعاها إلى بيته وتحدث معها في أدق الأسرار العسكرية قبل أن يفاجئها بعدد من الخرائط العسكرية الخطيرة التي كان يحملها في حقيبة خاصة و يشرح لها بالتفاصيل أماكن المواقع الجديدة.

أرسلت هبة ما حصلت عليه من معلومات من فاروق إلى باريس حيث ضابط الموساد الذي يتولاها برعايته و أرسل هذه المعلومات من فوره إلى تل أبيب التي سرعان ما توصلت إلى صحة هذه المعلومات وخطورتها فطلبت من رجلها في فرنسا أن يوليها اهتماماً كبيرا، باعتبارها عميلة فوق العادة و بدأوا في توجيهها الى الأهم في تسليح ومواقع القوات المسلحة و خاصه قواعد الصواريخ و الخطط المستقبلية لإقامتها والمواقع التبادلية المقترحة.

سافرت هبة الى باريس مرة ثانية تحمل بحقيبتها عدة صفحات دونت بها معلومات غاية في السرية و الأهمية للدرجة التي حيرت المخابرات الإسرائيلية فماذا سيقدمون مكافأة للفتاة الصديقة؟
سؤال كانت إجابته عشرة آلاف فرانك فرنسي حملها ضابط الموساد الى الفتاة مع وعد بمبالغ أكبر وهدايا ثمينة وحياة رغدة في باريس. رفضت هبة النقود بشدة وقبلت فقط السفر الى القاهرة على نفقة الموساد بعد ثلاثة أشهر من إقامتها بباريس، كانت الوعود البراقة تنتظرها في حالة ما إذا جندت خطيبها ليمدهم بالأسرار العسكرية التي تمكنهم من اكتشاف نوايا المصريين تجاههم.

لم يكن المقدم فاروق الفقي بحاجة الى التفكير في التراجع، إذ أن الحبيبة الرائعة هبة كانت تعشش بقلبه وتستحوذ على عقله ولم يعد يملك عقلاً ليفكر، بل يملك طاعة عمياء سخرها لخدمة إرادة حبيبته و أحكمت قيدها حول رقبته فمشى يتبعها أينما سارت و سقط ضابط الجيش المصري و وقّع وثيقة خيانته ليصير في النهاية عميلاً للموساد تمكن من تسريب وثائق وخرائط عسكرية موضحاً عليها منصات الصواريخ “سام 6″ المضادة للطائرات التي كانت القوات المسلحة تسعى لنصبها لحماية مصر من غارات العمق الاسرائيلية.
لقد تلاحظ للقيادة العامة للقوات المسلحة و لجهازي المخابرات العامة و الحربية أن مواقع الصواريخ الجديد تدمر أولاً بأول بواسطة الطيران الإسرائيلي حتى قبل أن يجف الأسمنت المسلح بها و حدوث خسائر جسيمة في الأرواح و تعطيل في تقدم العمل و إنجاز الخطة التي وضعت لإقامة حائط الصواريخ المضادة للطائرات.

تزامنت الأحداث مع وصول معلومات لرجال المخابرات المصرية بوجود عميل “عسكري” قام بتسريب معلومات سرية جداً الى إسرائيل و بدأ شك مجنون في كل شخص ذي أهمية في القوات المسلحة و في مثل هذه الحالات لا يستثنى أحد بالمرة بدءاً من وزير الدفاع.
يقول السفير عيسى سراج الدين سفير مصر في كوبنهاجن، و وكيل وزارة الخارجية بعد ذلك:
“اتسعت دائرة الرقابة التليفزيونية و البريدية لتشمل دولاً كثيرة أخرى مع رفع نسبة المراجعة والرقابة الى مائة في المائة من الخطابات و غيرها، كل ذلك لمحاولة كشف الطريقه التي تصل بها هذه المعلومات الى الخارج كما بدأت رقابة قوية و صارمة على حياة و تصرفات كل من تتداول أيديهم هذه المعلومات من القادة، وكانت رقابة لصيقة و كاملة ثم أدخل موظفو مكاتبهم في دائرة الرقابة و مساعدوهم و مديرو مكاتبهم و كل من يحيط بهم مهما صغرت أو كبرت رتبته .
وفي تلك الأثناء كانت هبة سليم تنعم بحياتها في باريس بلا قيود و تهللت بشراً عندما عرض عليها ضابط الموساد زيارة إسرائيل فلم تكن لتصدق أبداً أنها مهمة الى هذه الدرجة و وصفت هي بنفسها تلك الرحلة قائلة: “طائرتان حربيتان رافقتا طائرتي كحارس شرف وتحية لي و هذه إجراءات تكريمية لا تقدم أبداً إلا لرؤساء وملوك الدول الزائرين، حيث تقوم الطائرات المقاتلة بمرافقة طائرة الضيف حتى مطار الوصول.

و في مطار تل أبيب كان ينتظرني عدد من الضباط اصطفوا بجوار سيارة ليموزين سوداء تقف أسفل جناح الطائرة و عندما أدوا التحية العسكرية لي تملكني شعور قوي بالزهو و استقبلني بمكتبه مائير عاميت رئيس جهاز الموساد وأقام لي حفل استقبال ضخماً ضم نخبة من كبار ضباط الموساد على رأسهم مايك هراري الأسطورة و عندما عرضوا تلبية كل “أوامري” طلبت مقابلة جولدا مائير رئيسة الوزراء التي هزمت العرب و مرغت كرامتهم، و وجدت على مدخل مكتبها صفاً من عشرة جنرالات إسرائيليين أدوا لي التحية العسكرية و قابلتني مسز مائير ببشاشة ورقة و قدمتني اليهم قائلة: “إن هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم لها جميعاً مجتمعين. وبعد عدة أيام عدت الى باريس و كنت لا أصدق أن هذه الجنة “إسرائيل” فقد كنت ارغب في سفر اليها بلا عودة اما القاهرة كانا لبحث لا يزال جارياً على أوسع نطاق و الشكوك تحوم حول الجميع، الى أن اكتشف أحد مراقبي الخطابات الأذكياء “من المخابرات المصرية” خطاباً عادياً مرسلاً الى فتاة مصرية في باريس سطوره تفيض بالعواطف من حبيبها. لكن الذي لفت انتباه المراقب الذكي عبارة كتبها مرسل الخطاب تقول أنه قام بتركيب إيريال الراديو الذي عنده في حين ان عصر إيريال الراديو قد انتهى. إذن فالإيريال يخص جهازاً لاسلكياً للإرسال والاستقبال.

و هنا انقلبت الدنيا في جهازي المخابرات الحربية و المخابرات العامة و عند ضباط البوليس الحربي وتشكلت عدة لجان من أمهر رجال المخابرات، ومع كل لجنة وكيل نيابة ليصدر الأمر القانوني بفتح أي مسكن وتفتيشه وكانت الأعصاب مشدودة حتى أعلىالمستويات في انتظار نتائج اللجان، حتى عثروا على جهاز الإيريال فوق إحدى العمارات و اتصل الضباط في الحال باللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية وأبلغوه باسم صاحب الشقة فقام بإبلاغ الفريق أول أحمد اسماعيل وزير الدفاع “قبل أن يصبح مشيراً” الذي قام بدوره بإبلاغ الرئيس السادات.
حيث تبين أنها لشقة تخص المقدم فاروق الفقي و كان يعمل وقتها مديراً لمكتب أحد القيادات الهامة في الجيش، وكان بحكم موقعه مطلعاً على أدق الأسرار العسكرية، فضلاً عن دوره الحيوي في منظمة سيناء وكان الضابط الجاسوس أثناء ذلك في مهمة عسكرية بعيداً عن القاهرة.
و عندما اجتمع اللواء فؤاد نصار بقائد الضابط الخائن رفض القائد أن يصدق حدوث خيانة بين أحد ضباط مكتبه خاصة و أن المقدم فاروق يعمل معه منذ تسع سنوات بل و قرر أن يستقيل من منصبه إذا ما ظهر أن رئيس مكتبه جاسوس للموساد.
و عندما دخل الخائن الى مكتبه كان اللواء حسن عبد الغني نائب مدير المخابرات الحربية ينتظره جالساً خلف مكتبه بوجه صارم و عينين قاسيتين فارتجف رعباً وقد جحظت عيناه وقال في الحال “هو أنت عرفتوا؟؟“
و عندما ألقى القبض عليه استقال قائده على الفور و لزم بيته حزناً على خيانة فاروق والمعلومات الثمينة التي قدمها للعدو و في التحقيق اعترف الضابط الخائن تفصيلياً بأن خطيبته جندته و أنه رغم إطلاعه على أسرار عسكرية كثيرة إلا أنه لم يكن يعلم أنها ستفيد العدو.
و عند تفتيش شقته أمكن العثور على جهاز اللاسلكي المتطور الذي يبث من خلاله رسائله،و كذلك جهاز الراديو و نوتة الشفرة و الحبر السري الذي كان بزجاجة دواء للسعال.

ضبطت أيضاً عدة صفحات تشكل مسودة بمعلومات هامة جداً معدة للبث، و وجدت خرائط عسكرية بالغة السرية لأحشاء الجيش المصري وشرايينه، تضم مواقع القواعد الجوية والممرات والرادارات والصواريخ و مرابض الدفاعات الهامة.
و في سرية تامة قدم سريعاً للمحاكمة العسكرية التي أدانته بالإعدام رمياً بالرصاص و استولى عليه ندم شديد عندما أخبروه بأنه تسبب في مقتل العديد من العسكريين من زملائه من جراء الغارات الاسرائيلية و أخذوه في جولة ليرى بعينه نتائج تجسسه فأبدى استعداده مرات عديدة لأن يقوم بأي عمل يأمرونه به.

ووجدوا – بعد دراسة الأمر بعناية – أن يستفيدوا من المركز الكبير والثقة الكاملة التي يضعها الاسرائيليون في هذا الثنائي. و ذلك بأن يستمر في نشاطه كالمعتاد خاصة والفتاة لم تعلم بعد بأمر القبض عليه و الحكم بإعدامه.
و في خطة محكمه أخذوه الى فيلا محاطة بحراسة مشددة و بداخلها مجموعه من رجال المخابرات المصرية تتولى “إدارة” الجاسوس وتوجيهه وإرسال الرسائل بواسطة جهاز اللاسلكي الذي أحضرته له الفتاة و دربته عليه.
وكانت المعلومات التي ترسل هي بالطبع من صنع المخابرات الحربية، و تم توظيفها بدقة متناهية في تحقيق المخطط للخداع، حيث كانت حرب أكتوبر قد اقتربت، وهذه هي إحدى العمليات الرئيسية للخداع التي ستترتب عليها أمور استراتيجية مهمة بعد ذلك.
لقد كان من الضروري الإبقاء على هبة في باريس والتعامل معها بواسطة الضابط العاشق، واستمر الاتصال معها بعد القبض عليه لمدة شهرين، ولما استشعرت القيادة العامة أن الأمر أخذ كفايته و أن القيادة الإسرائيلية قد وثقت بخطة الخداع المصرية وابتلعت الطعم، تقرر استدراج الفتاة الى القاهرة بهدوء لكي لا تهرب الى إسرائيل إذا ما اكتشف أمر خطيبها المعتقل.

وفي اجتماع موسع وضعت خطة القبض على هبة و عهد الى اللواء حسن عبد الغني ومعه ضابط آخر بالتوجه الى ليبيا لمقابلة والدها في طرابلس حيث كان يشغل وظيفة كبيرة هناك و عرفاه على شخصيتهما و شرحا له أن ابنته هبة التي تدرس في باريس تورطت في عملية اختطاف طائرة مع منظمة فلسطينية و أن الشرطة الفرنسية على وشك القبض عليها . لذا فمن الضروري ان يتم هروبها في أسرع وقت من فرنسا لعدم توريطها و لمنع الزج باسم مصر في مثل هذه العمليات الارهابية.
و طلبا منه أن يساعدهما بأن يطلبها للحضور لرؤيته حيث أنه مصاب بذبحة صدرية.
أرسل الوالد برقية عاجلة لابنته فجاء ردها سريعاً ببرقية تطلب منه أن يغادر طرابلس الى باريس حيث إنها حجزت له في أكبر المستشفيات هناك و أنها ستنتظره بسيارة إسعاف في المطار و أن جميع الترتيبات للمحافظة على صحته قد تم اتخاذها.
و لكي لا تترك المخابرات المصرية ثغرة واحدة قد تكشف الخطة بأكملها فقد تم إبلاغ السلطات الليبية بالقصة الحقيقية، فتعاونت بإخلاص مع الضابطين من أجل اعتقال الجاسوسة المصرية و تم حجز غرفة في مستشفى طرابلس و إفهام الأطباء المسؤولين مهمتهم و ما سيقومون به.
وبعدما أرسل والدها رداً بعدم استطاعته السفر الى باريس لصعوبة حالته صح ما توقعه الضابطان، إذ حضر شخصان من باريس للتأكد من صحة البرقية و خطورة المرض و سارت الخطة كما هو مرسوم لها، وذهب الاسرائيليان الى المستشفى و تأكدا من صحه الخبر، فاتصلا في الحال بالفتاة التي ركبت الطائرة الليبية في اليوم التالي الى طرابلس و على سلم الطائرة عندما نزلت هبة عدة درجات كان الضابطان المصريان في انتظارها، وصحباها الى حيث تقف الطائرة المصرية على بعد عدة أمتار من الطائرة الليبية. .
فسألتهما: إحنا رايحين فين؟
فرد أحدهما: المقدم فاروق عايز يشوفك.
فقالت : هو فين؟.
فقال لها : في القاهرة.
صمتت برهة ثم سألت : أمال إنتم مين؟
فقال اللواء حسن عبد الغني : إحنا المخابرات المصرية.

و عندما أوشكت أن تسقط على الأرض أمسكا بها و حملاها حملاً الى الطائرة التي أقلعت في الحال، بعد أن تأخرت ساعة عن موعد إقلاعها في انتظار الطائرة القادمة من باريس بالهدية الغالية.
لقد تعاونت شرطة المطار الليببي في تأمين انتقال الفتاة لعدة أمتار حيث تقف الطائرة المصرية و ذلك تحسباً من وجود مراقب أو أكثر صاحب الفتاة في رحلتها بالطائرة من باريس قد يقدم على قتل الفتاة قبل أن تكشف أسرار علاقتها بالموساد.
وبلا شك فاعتقال الفتاة بهذا الأسلوب الماهر جعلها تهتز في معتقداتها حول القيمة الحقيقية للوهم الذي عاشته مع الإسرائيليين و هذا ما جعلها تعترف بكل شيء بسهولة بالتفصيل منذ أن بدأ
التحقيق معها في الطائرة بعد إقلاعها مباشرة وبعد أيام قليلة من اعتقالها . حكم عليها بالإعدام شنقاً بعد محاكمة منصفة اعترفت فيها صراحه بجريمتها و أبدت ندماً كبيراً على خيانتها الا انها ظلت علي امل تدخل وسطاء من دول اخري اصدقاء لإسرائيل حتي يتم الإفراج عنها في أسرع وقت ، و قامت بإرسال خطاباً لرئاسة الجمهوريه و السيده جيهان السادات تلتمس فيه العفو عنها .
عندما وصل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي لمقابلة الرئيس السادات في أسوان في أول زيارة له الى مصر بعد حرب أكتوبر و حملته جولدا مائير رسالة الى السادات ترجوه تخفيف الحكم على الفتاة. و من المؤكد أن كيسنجر كان على استعداد لوضع ثقله كله و ثقل دولته خلف هذا الطلب الا ان الرئيس السادات الذي يعلم بتفاصيل التحقيقات مع الفتاة و صدور الحكم بإعدامها تنبه الى أنها ستصبح مشكلة كبيرة في طريق السلام.
فنظر الى كيسنجر قائلاً: “تخفيف حكم؟ .. ولكنها أعدمت..
دهش كيسنجر وسأل الرئيس: “متى.. ؟”
ودون أن ينظر لمدير المخابرات الحربية قال السادات كلمة واحدة: “النهاردة“. وفعلاً تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في هبة سليم في اليوم نفسه في أحد سجون القاهرة.
أما الضابط العاشق – المقدم فاروق عبد الحميد الفقي – فقد استقال قائده من منصبه لأنه اعتبر نفسه مسؤولاً عنه بالكامل و عندما طلبت منه القيادة العامة سحب استقالته، رفض بشدة وأمام إصرار القيادة على ضرورة سحب استقالته خاصة و الحرب وشيكة فاشترط القائد للموافقة على ذلك أن يقوم هو بتنفيذ حكم الإعدام في الضابط الخائن و لما كان هذا الشرط لا يتفق و التقاليد العسكرية وما يتبع في مثل هذه الأحوال فقد رفع طلبه الى وزير الدفاع “الحربية” الذي عرض الأمر على الرئيس السادات ”القائد الأعلى للقوات المسلحة” فوافق فوراً ودون تردد.
وعندما جاء وقت تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الضابط الخائن لا أحد يعرف ماذا قال القائد له وماذا كان رد الضابط عليه لكن المؤكد أنه أخرج مسدسه من جرابه وصوبه على رأس الضابط و أطلق طلقتين عليه كما تقضي التعليمات العسكرية في حالة الإعدام .

(( كان يوما أسود في حياتي ، فقد تلقيت خبر وفاه شقيقتي في تحطم طائرتها المدنيه التي ضلت طريقها فوق سيناء و أسقطتها الطائرات الاسرائيليه فورا و كان بها المذيعه الشهيره سلوي حجازي ايضا ، وعدت الي منزلي مهموماً حزينا ، لاتلقي اتصال بضروره التواجد في مبني القياده العامه علي الفور ، وبدون ان ابدل ملابسي عدت الي القياده العامه

لأجد فريقا من المخابرات العامه والمخابرات الحربيه ، و الذين اخبروني بقصه فاروق الفقي ، ولمده طويله كنت اعارضهم و اشكك في نتائجهم فأنا اعرف فاروق الفقي جيدا و اعرف وطنيته و مدي حبه للوطن ، و اخبرتهم واصررت علي انهم مخطئين ، و ان فاروق لا تشوبه شائبه و كانت أدلتهم لي صادمه فالخطابات بخط مقارب لخط فاروق الذي اعرفه جيدا ، و طريقته في الكتابه أيضا ، لكن عقلي رفض بأي شكل من الاشكال تصديق ان فاروق هو الخائن الذي تسبب في مقتل العشرات من رجال الصاعقه و طلب رجال المخابرات مني ان اتصل بفاروق و ادعوه للحضور لمبني القياده العامه لحضور مؤتمر مهم و عاجل و كان ذلك امرا معتادا ان اطلب حضوره اجتماعات علي مستوي عال لعرض رأيه في الخطط الهندسيه لقوات الصاعقه
و بالفعل حضر فاروق و فور دخوله المكتب واطمئنانه الي ان كل شئ علي ما يرام فاتحه رجال المخابرات فيما لديهم من أدله ، وعلي الفور انهار فاروق وسقط علي كرسيه مكرِّرا : هبه ملهاش دعوه بحاجه .

فقد كان يدافع عنها دفاع مستميت غريب حتي و هو يعلم انه في اول خطوات الطريق الي حبل المشنقه و بعدها توالت اعترافاته وانا مصدوم صدمه حياتي كلها ))

و يلتقط اللواء احمد شوقي الخيط مستكملاً نقطه هامه بصفته قد حضر جانب من التحقيقات مع فاروق الفقي

(( كنت احضر جانب من التحقيقات مع فاروق والتي كانت تتم في اماكن منعزله ، فلم يتم القبض عليه علنا لكننا تركناه يمارس حياته كالمعتاد امام الناس تحسباً لو الموساد كان يتتبعه و بدأت المخابرات العامه في استخدامه لأرسال معلومات مغلوطه لهم و بعض المعلومات الصحيحه فقد كانت لعبه شديده الذكاء و الحرص و ما كان يجعل فاروق يتقن تلك اللعبه و لا يخطئ فيها هو ظنه بأنه يحمي هبه سليم من حبل المشنقه لكنه لم يكن يدري ما يدبر لهبه في فرنسا و تلك قصه اخري يرويها من شارك فيها .

اما بخصوص التحقيقات التي كنت احضرها فقد كنت مندهش من اعترافاته والتي تتلخص في النقاط التاليه

-فاروق كان يعلم انه جاسوس للموساد و ان حبه لهبه اجبره علي الاستجابه للموساد

-فاروق قدم معلومات كثيره لم تكن مطلوبه فقد كان يقول عن نفسه (( انا بني ادم مخلص في شغلي احب اعمل شغلي بأتقان شديد واقدم اكتر ما هو مطلوب مني ))

-فاروق لم يتقاضي مليم من الموساد – فجزء كبير من نقوده كانت تودعها الموساد في حساب بنكي في سويسرا و الباقي كانت تحضره هبه لفاروق في القاهره او بحواله و كان فاروق يرد لها كل المبالغ لكي تحفظها معها لحين زواجهم حيث اوهمته انها في سبيلها لتكوين ثروة لتأسيس منزل فاخر في القاهره ( وهو ما لم يكن صحيحا طبعا )

-فاروق كان مقتنعا بحب هبه له

Series Navigation << منير جميل حبيب روفا – عملاء الموساد#5كاميليا – عملاء الموساد#7 >>

اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

186
1.3k shares, 186 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة