" />

دفن حيا – قصة قصيرة

جلس بملابسه الرسمية على مكتبه ، بكل فخرٍ اعتاده وأتقنه نظرا لمكانته ورتبته المرموقة، يقلب بين يديه أوراق القضية المثيرة للفضول، ويقرأ أوراق التحقيق المتواجدة داخل الملف بتركيز شديد، غير عابئٍ بالشاب الذي يجلس أمامه يطالعه بابتسامة هي مزيج من الفخر والثقة، وإيمانٌ برئيسه الذي يعده قدوته في الحياة، منتظرا منه أن ينطق ويخبره شيئا جديدا عما قرأه في الملف الذي بين يديه. من بين تلك الأوراق اعتراف المتهم كاملا بالجريمة وبكل تفاصيلها ودوافعها.. فتح ثغره وازدادت عيناه اتساعا وهو يقرأ ذلك الاعتراف .. 1 min


108
550 shares, 108 points
- دفن حيا – قصة قصيرة

جلس بملابسه الرسمية على مكتبه ، بكل فخرٍ اعتاده وأتقنه نظرا لمكانته ورتبته المرموقة، يقلب بين يديه أوراق القضية المثيرة للفضول، ويقرأ أوراق التحقيق المتواجدة داخل الملف بتركيز شديد، غير عابئٍ بالشاب الذي يجلس أمامه يطالعه بابتسامة هي مزيج من الفخر والثقة،
وإيمانٌ برئيسه الذي يعده قدوته في الحياة، منتظرا منه أن ينطق ويخبره شيئا جديدا عما قرأه في الملف الذي بين يديه. من بين تلك الأوراق اعتراف المتهم كاملا بالجريمة وبكل تفاصيلها ودوافعها.. فتح ثغره وازدادت عيناه اتساعا وهو يقرأ ذلك الاعتراف ..


” اسمي سعيد مراد ، مراد وزوجته أبواي بالتبني منذ كنت في السابعة من عمري .. كان مراد طبيبًا مرموقًا وزوجته مالكة الملجأ .. لم تكن تستطيع الإنجاب ، كان زوجها على مشارف الستين عندما اختاراني لأكون لهم ولدا..كطفلٍ يتيم كانت هذه أقصى درجات السعادة ، أن أحصل على عائلة ، بل وعائلة ثرية ستوفر لي حياة كريمة . أخذاني إلى بيتهما الكبير في تلك المنطقة النائية على أطراف المدينة، لم يكن هناك أطفال ألعب معهم أو أصدقاء، كان هناك طفلا واحدا فقط، رافقني منذ وصولي إلى ذلك المنزل، كنا نلتقي في القبو عندما كنت أنزل لأستكشف المكان ، لم يصدقني أحد بأن هناك ولد يقطن في القبو، وقالوا أنني أتوهم ذلك لأني غير معتادٍ على المكان. منذ ذلك الوقت تعلمت كتم هواجسي ، وإخفاء كل ما أعرف وكل ما أرى، أصبح لي عالمي الآخر، عالم من المخاوف والهواجس والكوابيس والوساوس التي لازمتني طوال فترة طفولتي ومراهقتي، عشر سنواتٍ قضيتها في ذلك البيت لا أحد يشعر بالخوف الذي أعايشه يوميا… في البداية كان يرعبني ذلك الطفل، لكن بعد عامٍ أصبح ملازما لي ولا يفارقني، ملتصق بي كظلي ، كنت أكبر عاما بعد عام ، وهو لا يزال صغيرا ، ربما كان في السادسة من عمره…


لم أعد أراه مخيفا ، لكن ما كان مخيفا حقا هو ما حدث في السنوات الأخيرة، زاد تعلقه بي ، وبدأ يوسوس لي بأمورٍ فظيعة ، صار يلاحقني حتى في نومي، يجعلني أرى أشياء مخيفة.. حتى الآن لا أعرف كيف فعلتها وقتلتهما، نعم قتلتهما بيدي لكن هو من جعلني أفعلها..جعلني أقتل من ربياني كابنهما … جعلني أشك في أنهم سوف يقتلاني .. أصبحت أرى أفعالهما غريبة.. نظراتهم كانت مرعبة عندما يطالعاني .. وفي لحظة ضعف مني واستسلام انقضضت عليهما وذبحتهما أثناء نومهما. أعلم أنهما تألما من صوت نزاعهم الأخير والدماء تندفع من أعناقهما..
اختفى ذلك الطفل من حينها، جلست ثلاثة ليالٍ أبكي بجانبهما حتى ذات يوم اقتحم الجيران المنزل بسب انبعاث روائح كريهة ليجدوني أتوسط السرير بين جثتين ودماء تغطيني. لم يعد لحياتي أي معنى وأصبحت قاتلا مجنونا، لا تصدقوا أن الطفل هو السبب.


رفع الضابط رأسه ، ونزع نظارته الطبية وفرك عينيه قليلا ثم نظر إلى الضابط الذي يجلس مقابله، والذي أخبره بأن هذه كانت أقوال المتهم الذي تم تحويله لمصح نفسي منذ شهر قبل أن يقدم على الانتحار وقبل أن يقاطعه رئيسه كان يلقى عبارته الأخيرة بدهاء وهو يخبره عن اكتشافهم لرسالة وجدت تحت وسادة القاتل في المصح العقلي أثناء تفتيش عنبره بعد انتحاره. تنهد الرجل الكبير والتف ليواجه الضابط الشاب وهو ينظر له بثبات ويحكي له أنه قد حقق منذ سنوات بعيدة عندما كنت في عمرك أو أكبر قليلا في قضيتين مشابهتين بنفس التفاصيل، ولد يقتل والديه ثم ينتحر وتحديدا نفس المنزل الذي في أيامي كان منزل جديد حديث الإنشاء في أرض ظلت خواء ومهجورة لسنوات طويلة مضت. توقف للحظات وهو يرمق الضابط الشاب و بنفس الثبات يشير له ويخبره أن يراجع ملف القضيتين السابقتين له وينهي حديثة بالسؤال عن ما احتوت تلك الرسالة التي وجدوها تحت وسادة المتهم المنتحر .


تأهب الضابط الشاب للحديث وقد رحلت عن عيناه نظرة الفخر التي كانت تعتريه دوما لكونه ابنا لهذا الرجل العظيم الذي يعمل معه ويتعلم منه، كان يتعامل بمهنية وانضباط مفرقًا بين علاقته العملية ورابط الدم بينهما، لكن كانت هذه القضية هي الأهم لديه لأن والده سيتقاعد وسيحل هو مكانه. مد يده يناول والده الرسالة وبحزن شديد أخبره بيقين أنه لم ير مثل هذا من قبل . لم يبالي الأب بكلمات ابنه وهو يأخذ الرسالة وبنهم شديد يلتهم محتواها بعد أن ارتدى نظارته مرة أخرى وبدأت نظرات القلق والارتباك تسيطر على وجهه…
فحوى الرسالة كان مفاجأة صاعقة له لقد كان يحكي قصة هذا الطفل بالتفصيل، أقوال واعترافات لم يقُلها في التحقيق .. كيف أنه ذهب إلى قبو المنزل ونبشه ، وتحدث عن إيجاده لجثة امرأة وطفل، وأنه وجد اسما محفور بالدماء .. كان وقع الاسم كالصاعقة عليه ، كوّم الورقة بعصبية بين كفيه وهو ينظر لابنه الذي ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهه وهو ينقل بصره بين وجه أبيه المصدوم وبين اللافتة التي على مكتبه التي تحوي رتبته واسمه الذي يطابق نفس الاسم على الورقة. وقبل صدور أي رد فعل من الأب كان الابن قد بدأ حديثه بحسرة وهو يهز رأسه ويخبره بصحة ما قرأه وأنهم حفروا القبو ووجدوا جثة امرأة وطفل وبالتحاليل تبين أنها دفنت منذ أكثر من ربع قرن بعد قتلها ودفن الطفل حيا بجانبها…


توقف لبرهة وهو يتأمل والده الصامت وقد عقد حاجباه بغضب ينصت وهو يكمل حديثه عن التحريات التي تعرفت على تلك السيدة ، وأنها كانت راقصة وعشيقة والده قبل مولده… وقبل أن يقاطعه الأب بكلمة، تابع حديثه
– لقد أنجبت من تلك الراقصة طفلا و قد اتفقت معها على تبنيه ، لأن والدتي لم تكن قادرة على الإنجاب، وبعد سنوات طويلة أكرمها الله وأنجبتني ، فاتفقتما على محو الماضي ، ذهبتما بالراقصة والطفل إلى تلك الأرض وفعلتم فعلتكم الخبيثة واتفقتما على كتمان السر ونسيانه ..
هنا انتفض الأب غاضبا من مجلسه وهو يعاتب ابنه ويحدثه بلهجة قوية متذرعا بأنه حافظ على سمعة العائلة.. و أن تلك الراقصة كانت تبتزه وتريد فضحه..


هدأ صوته قليلا وتحشرجت الكلمات في حلقه بعد إدراكه أن السر الذي طالما تأكد من موته خاصة بعد موت زوجته وخرجت كلماته مرتعشة وهو يأمر ابنه بكل عزة بأن يقفل القضية فقد اعترف القاتل وانتحر ..
لم يكمل كلامه وهو يرى ابنه يقاوم الدموع مخرجا جهاز تسجيل صغير سجل عليه اعترافه، وفي تلك اللحظة فُتح الباب ليدخل مجموعة من الضباط وأحدهم يتجه نحوه والقيود الحديدية تلمع أمامه…بانكسارٍ مد يده مستسلما لارتداء القيود.
وهو يسمع لكلمات ابنه الأخيرة..
” أعذرني يا أبي .. المنتحر لم يكتب تلك الرسالة الأخيرة .. أنا من كتبتها بعد استكمال جميع التحريات كما حدثتك وقررت استدراجك خاصة عندما وجدنا في القبو عند حفره جثة السيدة وأخي الذي دفته حيا “.
(تمت )
#سفير_العالم_الآخر

بقلم Mahmoud Ezzat


اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

108
550 shares, 108 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة