" />
126
730 shares, 126 points

جوزيف ماتوسيان – صنايعية مصر

التدخين ضار بالصحة، هذه الجملة الشهيرة جداً على السجائر. بدأ ماتوسيان الأكبر عمله في نهاية القرن الثامن عشر كانت تجارته رائجة لا تتوقف عند مصر لكنها تصل إلى أوربا أيضا، كانت المنافسة حامية زادت وطأة المنافسة عندما تدخل القصر الملكى وأصدر قرارا بإنشاء الشركة الشرقية للدخان، لكن كانت المقاومة كبيرة، لم يكتف ماتوسيان بالدعاية في الصحف والمجلات، اتفق ماتوسيان مع نجيب الريحانى على أن تقوم فرقة الريحانى بتقديم موسم مسرحى في الإسكندرية لحساب الشركة، على أن تضع الشركة في علب السجائر كوبونات يستطيع من يشتريها أن يقدمها لعامل التذاكر ويحصل على تذكرة مخفضة، كان الريحانى وقتها في أزمة مالية وكان بحاجة لمن يمول مسرحيته الجديدة، فظهر ماتوسيان و كان الاتفاق أن يقوم الريحانى بالدعاية لسجائر ماتوسيان على أن يدفع له يوميا عشرة جنيهات و خمسة جنيهات أخرى لبديعة مصابنى إضافة لتأمين كل نفقات الفرقة والمسرح والدعاية طيلة الموسم الصيفى، ونجح الاتفاق.

كان ماتوسيان تاجرا ماهرا يسعى إلى ما هو أكثر من التواجد على الساحة، حتى بعد صدور قرارات التأميم وفرار الكثير من منافسيه استجاب للوضع الراهن و أندمج بشركته مع الشركية الشرقية للدخان التي تم تأميمها، لكنه حتى هذه اللحظة لم يكن يحلم أن يكون صاحب السيجارة الشعبية الأولى في مصر، بل أنها لم تكن فكرته أصلا. كان كمال قطبه عضو غرفة صناعة السجائر في مصر شاهدا على القصة التي بدأت في شتاء عام 1961م على هامش اكتشاف أنشطة تجمع السوق المصرى والسوق السورى أيام الوحدة.. قررت مصر إقامة معرضا في أرض المعارض بالجزيرة للصناعات التي يمكن ان تصبح مشتركة بين البلدين، قررت غرفة صناعة السجائر أن يكون هناك جناح للتبغ المصرى و السورى، وصلت أخبار أن جمال عبد الناصر سوف يقوم بزيارة المعرض. وصل ناصر وصافح ماتوسيان بحرارة، ثم أخذه في جولة للتعرف على جميع أنواع المعروضات، على هامش الجولة وزع ماتوسيان السجائر و السيجار على ناصر و صحبته، كان منتج ماتوسيان الأهم وقتها سجائر( بلمونت)، أخذها ناصر ووضعها جانباً ثم وضع يده في جيبه وأخرج علبة سجائره الخاصة (كنت) و أشعل واحدة وسط وجوم أصحاب المعرض.

شعر ناصر بثمة حرج وان الموقف غير مريح، فقال لهم أنه لا يغير نوع سجائره فالتغيير يؤثر سلبيا على رئتيه، وربما شعر أن مبرره لا يغطى الإحراج الذى سببه للحاضرين فقال لهم نصاً : شوفوا كدة يا جدعان، لو عملتوا سيجارة محلية زى (كنت) هاكون أول و أكبر زبون عندكم، التقط ماتوسيان طرف الخيط وقال لناصر: طلباتك أوامر. في اليوم التالى طلب ماتوسيان كمال قطبة و قال له: يا كمال إحنا وعدنا الرئيس نعمل له سيجارة زى الكنت، ثم طلب منه أن يشترى من السوق السوداء ثلاث خراطيش كنت ستدخل المعمل ليتم تحليلها لمعرفة كيف تتكون الخلطة. بعد ثلاثة أسابيع كان هناك اجتماع لدراسة النماذج الجاهزة من تلك السيجارة، كانت قريبة منها بالفعل وتم تصميم علبتها بحيث تكون قريبة الشبه من الكنت، بيضاء بخطوط ذهبية رفيعة، وبقى اختيار الإسم. كانت وقتها الضجة كبيرة حول فيلم (كيلوباترا) لإليزابيث تايلور، نجاح عظيم، وإنتاج ضخم تكلف وقتها أكثر من 20 مليون دولار، ودعاية ضخمة في كل مكان جعلت الإسم ذا حضور قوى، فكر ماتوسيان أنهم لن يحتاجوا لدعاية إضافية مع رواج الإسم.

بقى أن الشخص الذى اقترح تصنيع هذه السيجارة لابد أن يكون أول من يجربها، تم إعداد لفة أنيقة من الورق المذهب وُضع بها أربعة خراطيش كيلوباترا مع رسالة من ماتوسيان للرئيس، حملها قطبة وماتوسيان إلى كوبرى القبة حيث يقيم الرئيس.. أكثر من شهر كان ماتوسيان ينتظر النتيجة، حتى اليوم الذى وجهت فيه الدعوة لمال قطبة وجوزيف ماتوسيان لحضور حفل زفاف صديق لهم كان سيتزوج ابنة أحد اللواءات أصدقاء ناصر ( اللواء رشاد حسن)، كان من المؤكد حضور الرئيس وكان الجميع يعرفون أن الرئيس بطبعه كمدخن سيخرج علبته من جيبه فور أن يجلس، ذهب ماتوسيان ورفيقه إلى الفرح وجلسوا قريبا من منضدة العريس، ظلا يعدان الساعات حتى وصل ناصر مع حراسته، وصافح العروسين ثم جلس إلى منضدته وحينها شب ماتوسيان و قطبة ليعرفا نوع العلبة التي سيخرجها ناصر من جيبه، هل مازال يدخن الكنت أم أنه أعجب بالسيجارة الجديدة؟  أخرج ناصر علبته ووضعها أمامه، لم تكن الكنت، ولم تكن أيضا كيلوباترا، كانت نوعا أمريكيا آخر (إل أند إم)، بعدها رحل ماتوسيان، ثم هاجر قطبة إلى كندا، ولم يعرفا حتى رحل ناصر إن كان قد أحب الكيلوباترا أما لا.

كانت سيجارة كليوباترا الشعبية الأولى في مصر التي قدمها ماتوسيان تحولت من مجرد سجائر إلى عملة في حياتنا اليومية، فهى عملة الأفراح لا يتوقف صاحب الفرح ومعاونوه عن تقديمها للمدعوين، وعملة الجنازات عندما يتوقف المقرىء يقوم صاحب العزاء ومعاونوه بالتجول بين الصفوف شاهرين العلب يطل من كل واحدة نصف سيجارة جاهزة لأن يسحبها المعزي، هي عملة السجون كل الخدمات التي يمكن أو لا يمكن تقديمها داخل السجن لها تسعيرة تبدأ بعلبة سجائر، هي عملة فتح الكلام مع الغرباء، عملة الحصول من شخص ما على معلومة تبدأ من مواعيد عمل عيادة الطبيب الفلانى ولا تنتهي بمعلومة من البواب عن أسرة شاب تقدم إلى فتاة من عائلتك، عملة البحث عن ونس في مشاوير السفر الطويلة، عملة الترحيب و الضيافة .. أول ما تدقق فيه بيوت الصعيد هو نوع سجائر الضيف حتى يوفرونها له و يضمنون ألا تنفذ خلال جلسته فيتعكر مزاجه، عملة إزالة الفوارق وخلق مساحة محدودة من الألفة ولو عابرة، عملة الطبطبة على معتل المزاج أو الشارد أو المهموم ،و أصبحت بالوقت تفصيلة ثابتة في حياة المدخنينن المصريين. ومن هنا تنتهي حلقتنا وإلى لقاء آخر مع صنايعي آخر.

بقلم Ahmed Alkady


اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

126
730 shares, 126 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة