" />
اجلاسية - محمود اجلاسية – حرافيش القاهرة

محمود اجلاسية – حرافيش القاهرة

كان الناس المحترمون في الحي يطلقون عليه اسم الاسطي محمود الجزمجي . اما الرعاع فكانوا يطلقون عليه محمود اجلاسية وكان رجلا محترما هادئا لا يغضب وكان يرتدي الجلباب والمعطف والطربوش علي الطريقة التي سلكها الحرفيون والاسطوات وبعض صغار التجار وغيرهم. وكان الاحذية التي يصنعها الاسطي محمود لا يلبسها إلا الاعيان والكبراء والباشوات وبعض الافندية الذين يعرفون قيمتها ولهم مزاج عالي رفيع. 1 min


130
770 shares, 130 points
هذا المقال هو جزء 12 من 14 سلسلة حرافيش القاهرة

محمود اجلاسية – حرافيش القاهرة

كان الناس المحترمون في الحي يطلقون عليه اسم الاسطي محمود الجزمجي . اما الرعاع فكانوا يطلقون عليه محمود اجلاسية وكان رجلا محترما هادئا لا يغضب وكان يرتدي الجلباب والمعطف والطربوش علي الطريقة التي سلكها الحرفيون والاسطوات وبعض صغار التجار وغيرهم. وكان الاحذية التي يصنعها الاسطي محمود لا يلبسها إلا الاعيان والكبراء والباشوات وبعض الافندية الذين يعرفون قيمتها ولهم مزاج عالي رفيع.

كان الاسطي محمود واحد من مشاهير الجزمجية في القاهرة. ان لم يكن اشهرهم علي الاطلاق. بسبب وجود دكانه الي جوار قصر عابدين وكان باشوات القصر من زبائنه. لذلك كان الحفاة يحقدون عليه ويطلقون عليه اسم محمود اجلاسية لانه كان يتقن صناعة الاحذية من الجلد الرقيق الفاخر الذي يسمي جلد الاجلاسية. ويبدو ان هذه الكلمه مرتبطة بكلمة لاتينية تعني الزجاج اي انه جلد في رقة الزجاج ولمعانه.

وكان في هذا العصر وما بعده ينتشر الحفاه بشكل وبائي غريب. وكان الحفاء داء من ادواء المجتمع حتي انه أعد مشروع للقضاء علي الحفاء وصادق عليه البرلمان وسمي في ذلك الوقت مشروع مقاومة الحفاء.

وذات يوم ركبت الترام مع احد اصدقائي في الدرجة الاولي التي كان اجرها قرشا واحد. وجلس معنا احد الحفاه. فدعانا نزق الشباب الي تامل هذه الظاهرة واطالة النظر اليه بقصد او من غير قصد. وعندما جاء الكمساري ليطلب الاجرة اخرج هذا الرجل الحافي حافظة نقوده واخرج ورقه بمائة جينه واعطاها للكمساري ليقطع تذكرة بقرش واحد. فقال له الكمساري انه لا يملك ان يعطية باقي المائة فقال له الرجل في سخرية (اسأل الافندية لعل معهم فكة هذه الورقة) ثم اعادها واخرج خمسين وورقة بعشرة وورقة بخمسة وهو يكرر سؤاله واخيرا دفع للمكساري القرش وهو يقول يبدو ان الافندية ليس معهم فكة. وفي هذا اليوم عرفت ان الحفاء هواية لها اسباب كثيرة وليس السبب الاقتصادي هو السبب الوحيد.

كان الاسطي محمود اجلاسية ظاهرة فريدة في حي عابدين مع ان كثير من الارمن كانوا يقومون بهذة المهمة. كما كانت المتاجر الكبري تبيع الاحذية المستورده من انجلترا وفرنسا والنمسا والمانيا. وكان أشهرها محلات سلامندر النمساوية الالمانية ومجلات روبرت هيوز الانجليزية ومحلات رءاول الفرنسية. ولكن الاسطي محمود تغلب عليهم بسبب قدرته علي اتقان الصنعه مع ضبط المقاس حتي اصبح باشوات عابدين من زبائنه.

اما السيدات فكن يلبسن الاحذية المستورده من الخارج وخاصة من فرنسا. وكان الازواج او الاباء يقومون بشرائها حتي لا يلمس الباعه اقدام نسائهم . وكانوا يشترون مقاسات مختلفة وما يصلح للست منها اخذته وما لا يصلح تعطية لاقاربها.

وكانت الحاجة الي احذية النساء في تلك الايام قليلة لانهن لم يكن لهن الحق في الخروج من بيوتهن. إلا لاسباب ملحة.

اما عن الشباشب اي نعال النساء داخل بيوتهن فقد كان في حينها رجل شباشبي شهير. كان ماهرا في هذه الصناعة وكان يصنع الشباشب لنساء الطبقة المتميزة في الحي من الجلد اللامع. وكان هذا الشباشبي ينازع الاسطي محمود في شهرته لانهما كانا يتعاملان مع الطبقة القادرة في الحي ومع الباشوات والاعيان علي السواء.

حرافيش القاهرة للكاتب عبد المنعم شميس والذي كان يحب في ايام الصبا والشباب ان يقعد علي كرسي فوق الرصيف في حي عابدين ويتفرج علي تيار الحياة في هذا الشارع الصاخب ويسمع حكايات واحاديث الناس سواء باليونانية او الايطالية او الفرنسية والارمنية وكمان اللهجة النوبية. فضلت الحكايات دي في عقل الكاتب عبارة عن صور لشخصيات مجهولة لكن تعود لذكريات قديمة. واللي بتوضح جانب من جوانب المجتمع القاهري في جيل ماضي. كل حكاية من حكايات الكتاب كانها جولة واللي رغم بساطتها الإ انها جميلة وممتعه وبتاخدك وتحسسك انك عايش في العصر ده وشايف الناس دي في افراحهم وتعازيهم واتعرفت علي طوائف من الناس كان ليهم دور مهم اوي في العصر ده ان كان طائفة الفراشون او الترزية او الطباخين وغيرهم كتير. الفتره اللي فاتت عرضت نماذج للشخصيات دي وحكايتهم واستمتعت فعلا بالحكايات دي. بين صفحات الكتاب حكايات لاشياء صغيرة اصحابها شخصيات مجهولة لكنهم كلهم بشر.

حرافيش القاهرة / عبد المتعم شميش

بقلم Nihal Mustafa

Series Navigation << الخواجة موندي – حرافيش القاهرةالدباغين – حرافيش القاهرة >>

اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

130
770 shares, 130 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة