[‎سطور‎] ‎‫قوَّةُ المال (من كليلة ودمنة)‬‎

1 min


156
1k share, 156 points
كليلكة ودمنة
كليلكة ودمنة
[‎سطور‎] ‎‫قوَّةُ المال (من كليلة ودمنة)‬‎
Ahmad Mohamed Hafez
April 11 at 11:23pm
قوَّةُ المال (من كليلة ودمنة) بَدأ الجُرذُ وقال: كانَ مَنزِلي أوَّل أمري بِمَدينةِ ماروت في بَيتِ رَجلٍ نَاسكٍ وكان خالياً من الأهلِ والعيال، وكان يُؤتى في كل يَومٍ بِسلةٍ مِن الطَّعامِ فيأكلُ مِنها حاجَتَهُ ويُعَلِّقُ الباقي، وكُنتُ أرصُدُ الناسِكَ، حَتَّى يَخرُج وأثِبُ إلى السَّلةِ، فلا أدعُ فيها طعاماً إلا أكلتُه، وأرمي بِهِ إلى الجرذان. فَجِهدَ النّاسِكُ مِراراً أنْ يُعَلِّقَ السلَّةَ مكاناً لا أنالُهُ فَلمْ يَقدِر على ذلك، حتى نَزلَ به ذاتُ ليلةٍ ضيفٌ فأكلا جميعاً، ثُمَّ أخذا في الحديث فقال الناسكُ للضيفِ: مِن أي أرضٍ أقبلت؟ وأين تُريدُ الآن؟ وكان الرجل قد جَابَ الآفاقَ ورأى عَجائِبَ فأنشأ يُحدِّثُ الناسكَ عَمّا وَطئَ مِن البلاد، ورأى من العجائب، وجَعلَ الناسكُ خلالَ ذلك يُصَفِّقُ بيديهِ لِيُنَفّرَني عَن السلةِ، فَغَضِبَ الضَّيفُ وقال: أنا أحُدِّثُكَ وأنتَ تهزأُ بحديثي! فما حَملكَ على أنْ سألتني؟ فاعتذرَ إليه الناسكُ، وقال: إنِّما أصفقُ بيدي لأُنَفِّرَ جُرذاً قَد تُحيَّرتُ في أمرهِ، ولَستُ أضعُ في البيتِ شيئاً إلا أكلَهُ، فقال الضيفُ: جُرذٌ واحدٌ يَفعلُ ذلكَ أمْ جِرذان كثيرة؟ فقال الناسك: بل هوَ جرذٌ واحد فما أستطيع له حيلة. قال الضيف: لقد ذَكَّرتَني قَولَ الذي قال: لأمرٍ ما باعتْ هذهِ المرأةُ سِمسِماً مقشوراً بغيرِ مَقشور! قال الناسك: وكيف كان ذلك؟قال الضيف: نَزلتُ مَرَّةً على رجلٍ بِمكان كذا، فَتعَشينا، ثم فَرَشَ لي. وانقلبَ الرجل على فراشه، فَسمِعتُهُ يقولُ في آخرِ الليلِ لامرأتِه: إني أريدُ أن أدعو غداً رَهطا (أي جماعة من الناس) ليأكلوا عِندنا، فاصنعي لهم طعاماً. فقالت المرأة: كيفَ تَدعو الناسَ إلى طَعامِكَ، وليس في بيتِكَ فضلٌ عَن عيالك؟ وأنت رَجلٌ لا تُبقي شيئاً ولا تَدَخِرُه. قال الرجل: لا تَندَمي على شيءٍ أطعمناه وأنفقناه: فإنَّ الجَمعَ والادِّخارَ رُبَّما كانت عاقِبَتُهُ كعاقِبَةِ الذئبِ. قالت المرأةُ وكيف كان ذلك؟ قال الرجل: زعموا أنَّهُ خَرجَ ذاتَ يومٍ رجلٌ قانصٌ، ومعهث قوسُهُ ونشابه (أي السِّهام) فلم يجاوزُ غيرَ بعيد، حتى رمى ظبياً، فحَملهُ ورجعَ طالباً مَنزِلُه، فاعترضه خِنزيرٌ بريٌّ فرماهُ بنشابةٍ نفذت فِيه، فأدرَكَهُ الخِنزيرُ وضَرَبَهُ بأنيابِه ضَربةً أطارت مِن يدهِ القَوسَ، ووقعا مَيتَين، فأتى عليهِم ذِئبٌ فقال: هذا الرجل والظبيُ والخنزيرُ يكفيني أكلُهُم مُدَّةً، ولكن أبدأ بهذا الوتر (أي القوس) فآكُلُهُ، فَيكونُ قُوتَ يَومي، فعالجَ الوتر حتى قَطَعهُ فلما انقطع طارت سِيَّةُ القوس فضربت حلقهُ فمات. وإنما ضربتُ لَكِ هذا المثل لتعلمي أنَّ الجَمعَ والادخارِ وخَيمُ العاقبة. فقالت المرأة: نِعمَ ما قُلت! وعِندنا مِن الأرزِّ والسمسم ما يكفي سِتةَ نفرٍ أو سبعة، فأنا غاديةٌ على اصطناعِ الطعام، فادعُ مَن أحببت. وأخذت المرأةُ حِين أصبحت سِمسماً فقشَّرَتُه، وبسطتُه في الشمسِ ليجفّ، وقالت لغلامٍ لهم: اطرد عَنهُ الطيرَ والكلابَ وتَفَرَّغتْ المرأةُ لِصُنعها؛ وتغافلَ الغلامُ عَن السمسم؛ فجاء كلبٌ، فعاثَ فيه؛ فاستَقذَرَتُه المرأةُ، وكَرِهَت أنْ تَصنعَ مِنهُ طعاماً ما؛ فذهبتْ بِه إلى السوقِ، فأخذت به مُقايَضَةً سمسماً غيرَ مقشور: مَثلاً بمثلٍ، وأنا واقفٌ في السوق؛ فقال رجلٌ: لأمرٍ ما باعت هذه المرأة سمسماً مقشوراً بغير مقشورٍ. وكذلك قولي في هذا الجرذ الذي ذكرتَ أنَّه على غَير عِلَّةٍ ما يَقدِرُ على ما شَكوتَ مِنه. فالتَمِسْ لي فأساً لَعلّي أحتفر جُحرَهُ فأطَّلِعَ على بَعضِ شأنِه. فاستعار الناسكُ مِن بَعضِ جِيرانِه فأساً، فأتى بها الضيفَ، وأنا حينئذٍ في غِيرِ جُحري أسمَعُ كلامَهُما، وفي جُحري كيسٌ فيه مائةُ دينارٍ، لا أدري مَن وَضَعَها، فاحتفر الضيف حتى انتهى إلى الدنانير فأخذها وقال الضيفُ: ما كان هذا الجُرذُ يَقوى على الوثوبِ حَيثُ كان يَثِبُ إلا بهذهِ الدنانير: فإنَّ المالَ جَعلَ لَهُ قُوَّةَ وزِيادَةً في الرأي والتَّمَكُن. وسَترى بعد هذا أنَّه لا يَقدِرُ على الوثوبِ حيثُ كان يَثِب. فلَّما كان مِن الغد اجتمعَ الجُرذانُ التي كانت مَعي فقالت: قَد أصابَنا الجوعُ، وأنتَ رجائُنا فانطلقتُ ومَعي الجُرذان إلى المكان الذي كُنتُ أثِبُ مِنهُ إلى السلة فحاولتُ ذلك مِراراً: فلم أقدر عليه فاستبان للجرذانِ نَقصَ حالي فَسَمِعتُهُنَّ يَقُلنَ: انصَرِفنَ عَنهُ، ولا تَطمَعنَ فيما عنده: فإنا نَرى لَهُ حالاً لا نَحسَبُهُ إلا قَد احتاجَ مَعَها إلى مَن يَعوله. فَتَركَنني، ولَحِقنَ بأعدائي وجَفَونني، وأخَذنَ في غِيبتي عِندَ مَن يُعاديني ويَحسِدُني. فقُلتُ في نَفسي: ما الإخوانُ ولا الأعوانُ ولا الأصدقاءُ إلا بالمالِ ووجدتُ مَن لا مالَ له، إذا أرادَ أمراً قَعدَ به العَدَمُ عمّا يُريدهُ: كالماءِ الذي يبقى في الأوديةِ مِن مَطرِ الشتاء: لا يَمُرُّ إلى نَهرٍ ولا يجري إلى مكان، فَتَشرَبُه أرضُه. ووجدتُ مَن لا إخوانَ له لا أهلَ له، ومَن لا ولَدَ لَه لا ذِكرَ له: ومَن لا مالَ له لا عَقلَ له، ولا دُنيا ولا آخرةَ له: لأنَّ الرَّجُلَ إذا افتقرَ قَطَعَهُ أقارِبُهُ وإخوانُه: فإنَّ الشجرةَ النابتةَ في السباخِ، المأكولةَ مِن كُلِّ جَانبٍ، كَحالِ الفقيرِ المحتاجِ إلى ما في أيدي الناس.ووَجدتُ الفَقرَ رَأسَ كُلِّ بَلاء، وجالباً إلى صاحبهِ كُلَّ مَقت، ومَعدِنُ النميمة. ووَجدتُ الرَّجُلَ إذا افتقرَ اتهَمَهَ مَن كانَ له مُؤتَمِناً، وأساءَ بِه الظَنَّ مَن كانَ يَظُنُّ فيهِ حَسناً: فإنْ أذنبَ غَيرهُ كانَ هُوَ للتُهمَةِ مَوضعاً. وليس مِن خِلَّةٍ هي للغَني مَدحٌ إلا وهي للفقيرِ ذمٌ، فإنْ كانَ شجاعاً قيل: أهوج، وإنْ كان جَواداً سُمّي مُبذِّراً، وإنْ كان حَليماً سُمِّيَ ضَعيفاً، وإنْ كان وَقوراً سُمّي بَليداً. فالموتُ أهونُ مِن الحاجةِ التي تُحوِجُ صَاحِبَها إلى المَسألةِ، ولا سِيَّما مَسألةُ الأشحاءِ واللئامِ: فإنَّ الكَريمَ لَو كُلِّفَ أنْ يُدخِلَ يَدَهُ في فَمِ الأفعى، فُيخرجُ مِنهُ سُمّاً فَيَبتَلِعهُ كان ذلك أهوَنُ عَليه وأحَبُّ إليهِ مِن مسألةِ البخيلِ اللئيم. وقد كُنتُ رَأيتُ الضيفَ حِينَ أخذَ الدنانيرَ فقاسَمَها الناسكَ، فَجعلَ الناسكُ نصيبَهُ في خَريطَةٍ عِندَ رأسِه ولما جنّ الليلُ، طَمِعتُ أنْ أُصيبَ مِنها شيئاً فأرُدَّهُ إلى جُحري، ورَجوتُ أنْ يزيدَ ذلكَ في قُوَّتي، ويُراجِعُني بِسَبَبِهِ بَعضُ أصدقائي. فانطلقتُ إلى الناسكِ وهو نائمٌ، حتى انتهيتُ عِندَ رأسِه، ووجدتُ الضيفَ يقظان، وبِيَدِهِ قَضيبٌ، فَضَرَبني على رأسي ضَربَةً مُوجِعَةً، فَسعيتُ إلى جُحري. فلَمّا سَكَنَ عَنِّيَ الألمُ، هَيَّجَني الحِرصُ والشَرَهُ، فَخَرجتُ طَمِعاً كطمعي الأول، وإذا الضيفُ يَرصُدُني، فضربني ضربة أسالت مِني الدَمَ، فتقلبتُ ظهراً لبطن إلى جُحري، فخَرَرتُ مَغشِيّاً عَليّ، فأصابني مِن الوَجَعِ، ما بَغَّضَ إليَّ المالَ، رِعدَةً وهَيبة. ثُمَّ تَذَكَّرتُ فَوجدُتُ البَلاءَ في الدُنيا إنَّما يَسوقُهُ الحِرصُ والشره، ولا يزالُ صاحِبُ الدُّنيا في بَليَّةٍ وتَعَبٍ ونَصَبٍ، ووَجدتُ تَجَشُّمَ الأسفارِ البَعيدةِ في طَلبِ الدُنيا أهْوَنُ عَليّ مِن بَسطٍ اليَدِ إلى السَّخىِّ بالمال، ولَمْ أرَ كالرِضا شَيئاً، فَصارَ أمري إلى أنْ رَضيتُ وقَنَعتُ، وانتَقَلتُ مِن بَيتِ الناسكِ إلى البَرِّية.


اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

156
1k share, 156 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة