in

تشيرنوبل وغينيا والأجهزة المستعملة

الأجهزة - تشيرنوبل وغينيا والأجهزة المستعملة

تشيرنوبل وغينيا والأجهزة المستعملة

شاهدت ًا من ترجمة الجزيرة الوثائقية يحكي عن مدينة في غانا تُدعي ‘‘أجبوجبلوشي‘‘، يقطنها قرابة ربع مليون نسمة، في مستوي معيشي وخدمي متواضع جدًا..أوروبا لم يعجبها الوضع، بالذات الإنجليز..الإنجليز لُطاف..قبل سنوات طويلة ولتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة ومساعدة الشعوب الكادحة في دخول عصر تكنولوجيا المات، كانوا يتبرعون بما لديهم من الأجهزة القديمة إلي الأفارقة، وبالتالي يوفرون عليهم شراء جهاز لا يمتلكون ثمنه.

لعبة المساعدات الخيرية لم تدم طويلًا،..الأجهزة الإلكترونية للإنجليز تتعطّل، فيقررون التخلص منها كحل أسهل بدلًا من إصلاحها، ويذهبون بها لمراكز إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، بعض الأجهزة يتم التخلص منها بطريقة آمنة، والبعض الآخر يختفي. طبعًا 10 داوننج ستريت وقّعت وصدّقت علي اتفاقية بازل التي تمنع تصدير المخلفات الخطرة ومنها الإلكترونية، فأكيد الإنجليز لن يصدّروا تلفزيوناتهم وحواسيبهم وهواتفهم منتهية الصلاحية، وهو ما يحدث بالفعل. هم يرسلون تلك الأجهزة باعتبارها منتجات أوروبية قديمة، التاجر الغاني يدفع ثمن البضاعة، ويصلح ما يستطيع إصلاحه، والباقي يذهب لتجار آخرين، وحتي الأجهزة التي يصلحها لن تعيش طويلًا، فتذهب هي الأخري لهؤلاء التجار الآخرين. وهؤلاء الآخرين يأخذون المخلفات الإلكترونية الإنجليزية إلي مدينة أجبوجبلوشي، حيث لا تتوافر تقنيات معقدة لتدوير النفايات الإلكترونية، وحيث لا يعلم البشر هناك أساسًا معني التدوير، فيقوم الصبية وال بحرقها علي أمل الحصول علي أسلاك نحاسية بقيمة يورو او اثنين..

مأساة تلك المنتجات أنها تحوي عناصر سامة من الكادميوم والثاليوم والرصاص والزئبق، فعندما يحرقها الناس تتصاعد الأبخرة القاتلة في الجو، وتتراكم المواد المحروقة في التربة، والنتيجة أن أرض تلك المدينة أصبحت تحتوي علي مواد سامة من تلك العناصر تُعادل 1000 ضعف الموجود خارجها، ولائحة الأمراض القاتلة لا تنتهي بدءً من السرطان إلي تدمير الجهاز العصبي وأمراض التنفس، الإنجليز ليسوا وحدهم، الهولنديين عملوا فصل لطيف في مدرسة غانية فقيرة، لم تتمكّن من توفير الحواسيب لتلاميذها الأطفال، فاتصلت مؤسسة هولندية بالمدرسة عارضة توفير كل ما يلزم من أجهزة، فعمّ الفرح والسرور، عندما وصلت شحنة الخير الهولندية إلي ميناء تيما الغاني، ولما فتح المدرسون الشاحنة وهمّوا باستخدام الأجهزة، وجدوها معطّلة، فاستغربوا، لماذا يتكبّد الهولندي عناء إرسال لابتوبات فاسدة ؟

ثم ذهبوا بها إلي أجبوجبلوشي لحرقها..وبعد حين علموا أن الهولندي المكار يعلم أن كلفة تصديرها أرخص من إعادة تدويرها، وبألف هنا وشفا، دائرة جهنمية..يستعمرك ويسرق سكانك كعبيد، ثم تتحرر منه، فيغرقك بنصف تريليون دولار من الديون، ويُجبرك علي اتفاقات تجارة حرة تستبيح أسواقك، ويسرق ألماسك ونحاسك وذهبك وقصديرك، ثم يُعيد تصدير نفاياته السامة إليك، ثم يسألك في غضب، لماذا تهاجر وتريد السفر لأوروبا بدلًا من البقاء في إفريقيا لتعميرها؟

ثم يُلقي إلي حكومات بلادك الفاسدة مبلغ عملاق لتحسين المعيشة، 20 مليون دولار بعد جولة في إفريقيا جنوب الصحراء حرقت بنزين بأضعاف هذا المبلغ، علي شرط أن يذهب 17 من ال 20 مليون مثلًا لتطوير قوات الشرطة وحرس الحدود. ستجد حارس أوروبا اليميني المتطرف السيد سالفيني، وقد قبض قبل يومين علي السيدة الألمانية كاروله راكيتيه، التي تنقذ الغرقي الأفارقة بزورقها، بينما تُجهز لها النيابة الإيطالية لائحة تُهم قد تُلقي بها في السجن لعشر سنوات. ‘‘مقبرة الأجهزة الإلكترونية‘‘ تعيس جدًا، وإدراك أبعاد الجريمة الأوروبية سيتضاعف، إن قرّرت إكمال الرحلة والبحث باسم المدينة في جوجل، مدينة Agbogbloshie التي حولّها الأوروبيون لثاني أكثر مدن العالم سُميّة بعد تشيرنوبل، لكن الأفارقة لا أحد يحاسبهم ولا ينتج لهم أفلام..امرض وموت في صمت !

بقلم ‎عبدالعزيز السبكى‎

اخبرنا برأيك ؟

100 نقاط
Upvote Downvote
محرر أول

كتبه عالم تاني

عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه.

عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

التعليقات

اترك تعليقاً

Loading…

0

التعليقات

0 التعليقات

Powered by Facebook Comments

مصر - 9 حقائق مذهلة عن مصر القديمة لم تعرفها0

9 حقائق مذهلة عن مصر القديمة لم تعرفها

نادر فوده - كائنات الظلام – نادر فودة – رواية صوتية

كائنات الظلام – نادر فودة – رواية صوتية