" />
133
800 shares, 133 points

مراجعة رواية المسخ للكاتب كافكا

يثور “كافكَا” على المُعتاد والمألوف في هذه الرّواية… يثور على التَّسلّط والاستغلال والتَّطفّل… على الواقع المُتردّي المهترئ… يثور على نفس الإنسان ذاتها!!

تضعُك الرّواية وَسْط صراع الذَّات مع نفسِها، في مجتمعٍ كلُّ شيءٍ فيه يهتفُ لنُصرَة نفسِه…

العائلة، العمل، المجتمع… فلا يكونُ من أمرٍ سوى أن تتصارعَ مع ذاتها، لتمزّقها وتتركها مغلوبةً مرميَّةً على هامشِ الوجود!

تتمحور أحداثُ الرّواية حولَ الاغتراب الَّذي قد يصيب المرء نتيجةَ معايشته لأحوالٍ وظُروفٍ مُناقضَةٍ تماماً لرغباته وطُموحه، أحداثٌ كفيلةٌ بتحويله من ذاتٍ بشريّةٍ تعتريها فوضى مشاعر -مشاعر جديرة بالتّقدير- إلى آلةٍ مُبرمجةٍ وِفق دائرةٍ غير منتهية من الأحداث المكررة يوميّاً.. وربّما يتحوّل ببساطة إلى حشرةٍ ينفُر منها الجميع لا يكون لها أيُّ وزنٍ أو أهميّة.

لكن على المرء أن يقف أمام خياريْن لا ثالث لهما، إمّا الخضوع لهذا الواقع غير المُنصف الّذي يؤدّي لخسارة الَّنفس وغربتها عمَّن حولها، وإمّا رفضُ الواقع والقوانين غير المقبولة والتَّمرُد عليها.

كان “جريجور سامسا” الّذي اختاره “كافكا” بطلاً لروايته.. يُعايشُ تحكّم وتهكّم المؤسّسات الاجتماعيّة المُختلفة، إذ كان يعملُ في شركةٍ للمبيعات ليعيلَ أُسرته المؤلّفة من أبٍ وأمٍّ وأخت، يعمل ليسُدَّ ديون أبيه الّتي أحنت ظهره.

ومن تتبُّع أحداثِ الرّواية يظهر لنا جليّاً تخلخُل العلاقة بينه وبين أُسرته الّتي تعيش متطفّلَةً على راتبه الضَّئيل، فهو “الابن الطَّيب” طالما يقومُ بواجبه على أكملِ وجه، وأيُّ تبدّلٍ في هذا يصحبه غضبٌ ونبذٌ وإهمال.

أمَّا في مكان عمله الّذي وجد نفسهُ مُرغمَاً على التَّعايش معه، تظهرُ بشكلٍ واضحٍ حالة التَّسلّط والتَّحكّم من قبل رئيس الموظّفينَ من جهة، ليقابلها من جهةٍ أخرى حالةُ الخنوع والرُّضوخ من قبل “سامسا”.

في الواقع هو يحملُ رغبةً لاواعيةً بأن يطرد من عمله لكنّهُ يخافُ على أُسرته.. ومن هنا تنشأ حالةُ انفصام الشَّخصيّة، إذ أنَّ نموذَجيْ الأبِ القاسي ورئيس العمل يمثّلان المبدأ السُّلطويَّ المُتحكّم، وهذا ما يُثيرُ في نفسِ “سامسا” الخُضوعَ وروحَ التَّمرُد معاً.

حاول “سامسا” أن يتَّبع القوانين، أن يكون ولداً مهذّباً، أن يكون عقلانيّاً كما وصفه مديره في العمل.. وبين كُلِّ هذه المحاولاتِ الصَّادقة نجدهُ وقد فقد نفسهُ تماماً، وبدأ يعيشُ أزمةً وجوديّةً مثيرةً للعجب!

فهاهو يستيقظُ من كوابيسه في أحدِ الأيّام ليجدَ نفسه قد تحوّلَ إلى “حشَرةٍ” مقزّزَة!!

ظنّ للوهلةِ الأولى أنَّه ما زال يحلُم، وداخل فوضى الأحداثِ ولا معقوليّتها كان بحاجةٍ لدليلٍ قاطع يُؤَكد له صحّة الحدث، وهذا ما حصل عليه عندما وجد أسرتهُ مصعوقةً ومُرتعبةً من هَول الحادثة، عندها أدرك واقعيّة الحدث فهتف قائلاً: “لا، إنَّه ليس حلماً”..

لاحقاً، يصوّر الكاتبُ شعور الوِحدة الّذي ينتابُ “سامسا” وهو على هذه الهَيئة، الشُّعور الّذي قد يَبدو لنا أنّه مجرّدُ استئنافٍ لشعورٍ عتيقٍ لطالما عاشه وغاص فيه وهو على هيئته البشريّة، فقد كان معتاداً على إغلاق باب غرفته وراءَه مانعاً نفسهُ وغيرهُ من التَّواصل أو التَّحدُّث، ليعيشَ في عالمه الخاصّ الّذي بذل لأجله الكثير من الأحلام والأماني والتَّخيّلات، لكنّهُ الآن يُبقِي بابَ غرفَته مفتوحاً أملاً منه بقُدومِ أحدٍ يُؤنسهُ ويواسيه ويقفُ بجانبه… لكنَّ أحداً لَم يَدخُل!

يدركُ “جريجور” أنَّ الانمساخ يشملُ صوته أيضاً، فمهما حاول توضيح كلامه كان صوته يبدو كصوتِ حشرةٍ مرعِبةٍ… وهذا يعني استحالة التَّواصل مع أحدٍ بطريقة الكلام أيضاً.

وإذ يقعُ نَظرُ الوالِدِ على ابنه المَمسوخ يحاولُ التَّواصلَ بطريقةٍ حيوانيّةٍ، إذ يقومُ بإِطلاقِ أصواتِ فحيحٍ كي يَطردَ جريجور إلى حجرتهِ!!

ماذا!.. هل تحوّلتْ إذاً الدَّائرة الإنسانيّةُ إلى حيوانيّة؟ هل بات من الضَّروريّ التَّأكيد على جِدّيَّة الحدث؟

قد يظُنُّ البعض أنَّ الرّواية ليست إلّا سرداً ذي صبغةٍ تقليديّةٍ، لكن مع تتبُّع الأحاديث الّتي كان يُجريها “سامسا” مع ذاته والّتي دلَّت على ارتباطٍ عميقٍ بوعيه، جعلتْ الباحثين يُسقِطونَ ذلك أيضاً على شَخصِ “كافكَا”… أي أنَّ ثمّةَ تطابقاً أصيلاً بين شخصيَّة الرّوائي وشخصيَّة بطله.. وعليه نَطرحُ التَّساؤلَ التَّالي… أين نجدُ ” كافكا” في روايته؟

أغلب الباحثين باتوا متأكدّين من أنَّ “كافكَا” لم يكن يتحدّثُ في رِوايته إلّا عن نفسه هوَ… يتحدّثُ عن جوانب كثيرةٍ في حياته كانت تؤَرقه.

فهو كان يكره وظيفتَه المهنيّةَ لإنّها كانت تُعيقُه عن الكتابة، كما أنّه لم يكُن يَلقى تَفهّماً من قبل أُسرته وخاصّةً من قبل والده، وهذا يظهر في العديد من كتاباته ليس فقط هذه الرّواية.

حتّى الاسمان يعطيان السَّجَع ذَاتَه أثناء اللفظ، إذ أنَّ عدد الأحرُف هو نفسه والحرفان الصَّوتيّان يتوضّعان في الاسمينِ في نفس المكان.

وبعيداً عن المطابقات والإسقاطات، وقريباً من الرَّمزيّة الّتي أراد “كَافكا” لها أن تكون… نلاحِظ كَثرة استخدامِ الرُّموز النَّابعة من الإبداع الأدبيّ للكاتب والّتي دلَّت على توصيفاتٍ مُعيَّنةٍ مِثل:

– النَّافذة، كانت ترمزُ إلى صلة الوصل الوحيدة الّتي تَربطهُ بالعالم الخارجيّ.

– أما تَكرارُ تحديد السَّاعة الزَّمنيّة، فكان يُعبّر عن تقدُّم الوقت بشكلٍ لا يرحم وبالتَّالي عن أهميّتهِ المصيريّة.

صورةُ المرأة المُلفّحة بالفرو، تَرمُز لحالةٍ عاطفيّةٍ مَا… كنوعٍ من التَّقدير للإغراء الحقيقيّ الّذي تحملهُ الصُّورةُ وهذا ما دفعه لإنقاذِها من الأُمّ والأُخت في نهاية القصّة.

وفي حال أكثر “كافكَا” من استخدام الرُّموزِ أم لا، فهذا لا ينفي قدرته العجيبة على جعل القارِئ ينصعِق، يرتعب، يَخاف، يَثور، يَتألّم وَقد… يَبكي!!

نعم -عَزيزي القَارئ- قد تجدُ نفسك تدمعُ في وسط المشهد الّذي ينقضُّ فيه الوالدُ على ابنهِ نتيجة ثورة غضبٍ همجيَّةٍ.

ستبدأُ بالبُكاء عندما تجدهُ يتقوقعُ على نفسهِ منزويَاً لوحدهِ تَحت الأريكة حزيناً وحيداً… ستقلّبُ الصَّفحاتَ الأخيرةَ المُتبقيّة وأنت ترتجفُ لتعلم كيف ستكونُ خاتمةُ هذه القصّة المُؤلمة؟

وستبدأ بالتَّساؤل: متى سَيقولُ الكاتب بأنَّ هذه كانت مجرّدَ مَزحةٍ ما؟ مُجرّد هذيانٍ أنتج هذا النَّصَّ وكان “سامسا” ضحيّتهُ!

هذا الرَّجُل المسكينُ الّذي لم يكُن يطمحُ سوى بالعيش كفنّانٍ، لكنَّ ذنبهُ الوحيد أَنّهُ وُجِد في مجتمعٍ لا يحدّد قيمة الفرد إلّا حسْب الفائدة الماديّة الّتي يَجنيها.. وعندما عجز عن تقديمِ أيّ عَونٍ اختلفَ كُلُّ شَيء… كُلّ مَن هوَ حولَه تبدّلَت أحوالُه ونَبَذَه!!

قال “كافكَا” سابقاً: “على الكِتاب أن يكون الفأس الّتي تَكسّرُ البحرَ المتجمّدَ فينا.”

بقلم ‎Ahmed Sammer


اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع اصدقاؤك

133
800 shares, 133 points
عالم تانى هو بوابة علمية ثقافية تاريخية لاثراء للفرد والمجتمع العربي. القائمين على المحتوى مجموعة من الباحثين وهواة المعرفة لنشر العلم والثقافة والتاريخ بمختلف وسائطه. عالم تانى مجتمع ثرى بالمعلومات والأبحاث, ليس ذلك فحسب, بل وايضا بالمواد الأدبية كالشعر والروايات وعالم السينما, لنقدم للفرد والمجتمع العربى وجبة دسمة وغنية بالعلوم والفنون والمعرفة فى اّن واحد.

0 Comments

شكرا للمشاركة